الشهيد أبو مصطفى



الإهداء

إلى كل شهيد سقط في ساحة الوغى. إلى كل مجاهد بـعهـدهم يحيا على الثــــــــرى.إلى كل خلفة الشهداء ذكراهم أولى من كل ذكرى.إلـى كل أبنـاء الجـزائـر تـاريخـهم لا يمـكن أن ينســــــــى.إليهـم جميعا يهدى هذا العمل بـصدق الهوى و النـهــــى.

هذا العائد إلى الثرى في لحظة العطاء و الرجاء، بصنيع لا يضاهيه إلا من جابه الوغى بصدق النهى، و عشق الردى في سبيل العلا.تلك هي قصة الشهيد أبي مصطفى و إخوانه...قي ذاك الكهف تلاقوا و أرتقوا، تسابقوا و توافقوا في ملحمة تسع الوجود قراءة و استشفافا، استقطابا و إيحاء...بعد خمسة عقود تقف الكلمة عاجزة عن رصد اختلاجات و اهتزازات الرحلة... رحلة الخواطر... و الفكر...رحلة المعاني، و أبجديات التضحية ... رحلة الحنين و الانتماء...نعم ... تقف عاجزة على الوصول إلى سمق عليائهم، و ارتياد مآثرهم، و الاقتراب من ذاك الثرى المحتضن لأشلائهم الذي ظل ينتظر ...و ينتظر لسنين .. و سنين، و لأعوام... و أعوام...وقفة عابرة، أو سلام زائر، أو نبش كلمة، أو لفتة تاريخ ...فرحمة الله عليك يا أبا مصطفى و على إخوانك الجاثمين بجانبك.

كيان واحد

على شدو الذكرى .. والوفاء .. وترانيم العزة عزة القلب و المنقلب، قضت الأرملة ما تبقى لها من أيام، و وفت و استوفت ماكان من عهد مقطوع. عبء ثقيل ... شهيد وأرملة وطفل... ثلاثة ظلوا إلى آخر رمق من حياتها كيانا واحد .. كالطود الشامخ رغم تصاريف الأيام، و مشقة الحياة.
شهيد ظلت ذاكره تحدوها ..تحثها على الصبر، و التجلد، و عدم الاغترار بحطام الدنيا، ومتاعها الزائل، ولا بسلوك المتهافتين عليها.وكم ذا تطرب نفسها، وتهزها نشوة الفرح  و الرضى حين تمر على الجهة الخلفية لمقر البلدية القديم، فيشد بصرها العَلَمُ الوطني  المرفرف على مدخل البناية، فتحدق، وتطيل التحديق إليه ، فتحس، وتشعر بالشهيد مبتسما، ضاحكا، مستبشرا، ثم تتمتم بكلمات الثناء والاعتزاز وتمضي في سبيلها ..
وكثيرا ما يكتمل هذا المشهد فيبلغ ذروته في التعاطي إحساسا و تفاعلا ...مشهد هو بمثابة إكسير الحياة، والتواصل لهذا الكيان ...و في لحظة التجلي و التحلي يستحوذ على اهتمامها، و سيتولى على رغباتها، و ميولها، فينتقل بها في نقله كم ذا تتمنى ألا تتوقف في استرسالها، و تتبعها.. بالصورة.. بالكلمة..كان بحق شريطا مكتمل البناء..متسق الأحداث...حادثة، حادثة..مرحلة، مرحلة..يا له من إصرار كل ما حولها يكاد ينطق.. إصرار على العبور..بإرث رأت فيه قصة وجودها..و منتهى ذكرى الشهيد و ذكراها..بل هي قصة طفل.. و لا فرق ما دام الكيان واحد.
و لا فرق ما دام الكيان واحد.. طفل طالما تمنت لو لم يخرج من أحشائها إلا وقد اشتد عوده، و صلبت قوامه...فكلما عادت بالذكرى إلى فجر قدومه.. و سنين جمر النشأة إلا و أعقبت ذلك بتنهيدات وراء تنهيدات..أما الدموع فقد جفت منذ زمان..و فجأة تنتبه لابتسامة تسري في كيانها.. وتزحف على محياها.. فتحملها إلى ضفة من ضفاف الحياة في لحظة إشراقها.. فتراه و هو يحمل قلما، و يبني أسرة، و يسافر، و يعود، و تزداد الصورة إشراقا و نصوعا حين تهمس إلى نفسها: كأنه هو.. كأنه هو. و تلتفت حياء علّ أحد يترصد همساتها فينكشف أمرها..و مرت أيام و مضت أيام وعلى نغمات.. وهمسات الصورة بكلمتها و معانيها، و أسرارها..رحلت بعد أن إطمئنت على الإرث الذي سيحمل ذكرى الشهيد، و ذكراها إلى الأبد.

الشهيد و المحطات الثلاثة

1914 م .. لغة التاريخ..و أحداث العالم.. في هذه المرحلة كانت حاضرة بظلالها، وزوابعها في أجواء الجزائر منطقة، منطقة، وبقعة بقعة ...فرنسا أمام ضغط الاستهداف، وتداعيات المواجهة العالمية التجأت إلى مخزون الكذب والمراوغة، وراحت تبثه، ترسله كرسائل ممططة في ربوع الجزائر خوفا من سباق الزمن، وانفلات وانهيار  الجبهة الداخلية، فإرهاصات النضال ملامحه تترسم في الأفق و جحافله قادمة كالطوفان في الظلام الدامس .ابن محمد رمضان عماري وابن منصورة جفال .. جاء إلى الوجود في خضم هذه التجاذبات وما درت فرنسا أن رمضان هو أحد فرسان هذا الطوفان و أن الرمض عاشق قديم لأهازيج الطوفان.
مال إلى مهنة البناء .. وبين الجدران، والبنايات ظل لسنين وهو يتحرك، ويتنقل جنبا إلى جنب مع سمعه، ونظره، فحديث النضال يقتحم حواجزه وموانعه ويتوصل إليه فيتلقاه بلهفة وتلهف، و ما كان يجري وراء السدود، والحدود من إعداد واستعداد من حركة وتحرك يصل إليه كغيره من الظامئين فيلامس أعماقه، فيزداد الكيان تشبعا وارتواء، فالأمل بدا يستولى على النــفس بحقائق غير معهودة .. و أشكال الحسم فكرا و رؤى، خطة وتكتيكا أخذت تلتقي وتتجه إلى المسار الطبيعي المؤهل لقلب الموازين ..
إن فكر هذه المرحلة لجدير بالوقوف عنده للولوج إلى مواطن سر الملحمة، فالدرس البليغ مرتبط أساسا باللبنات الأولى للمنطلق ..وصانعوا الملحمة الذين كتب لهم أن يعانقوا الشهادة في أوج زينتها وتجليها ،حريّ بالكلمة أن لا تتوقف عن سفريات مدعمة بمسابر خالية ومجردة من كل دخن ومغنم. حين بزغ فجر العمل و النشاط ..النضال والتوعية، المجالدة والمواجهة، اختصرت حياة الرجل في ثلاثية صارت عنوانا بارزا في تاريخ وجوده، وعبوره  من مقبض أداة  البناء إلى قبض الاشتراكات، إلى مقبض الزناد.بإيعاز من جبهة التحرير تكليفا ومهمة تكفل بجمع ما أمكن من أموال الاشتراكات وكذا قطع السلاح.. كمرحلة أولي وفي غفلة العدو وعيونه، وحين تفطن العدو إلى عامل الإمداد وخطوطه الأولى، لم يترك له الفرصة و الوقت، فكان الجبل هو المرحلة الثانية،ففي مطلع عام 1955 م ألفى نفسه بين إخوانه المجاهدين وتحت قيادة الشهيد بلعيد حوحة متأهبا بسلاحه الستاتي للنزال والمقارعة السنوات الثلاثة الأولى من عمر الثورة كانت امتحانا ومحنة لكنها منحة تاريخية قلما تتكرر، خريطــة الجزائر كـانت كلها تشتــغل نارا ودخـــانا ودماء ..الشهيد كغيره من الألوف المؤلفة من المجاهدين كل ثانية يعشونها هي بمثابة عمر، و تاريخ.
فرنسا في هذه المرحلة العصيبة والشديدة ألقت بثقلها في ساحة المعركة عدة وعتادا، خطط و تجهيزات، عيون و جواسيس، ضراوة المواجهة كانت في منتهي الخطورة و الاشتداد، المجاهدون أفواجا و جماعات، فيالق و كتائب، لم يتوقفوا عن التصدي للعدو في مختلف المواقع و الأماكن لا ليل و لا نهار معارك تلو المعارك. مقنبلات العدو و قاذفاته تسابق الزمن فالشرق الجزائري خاصة المنطقة الشرقية المحادية للحدود في يوميات ساسات العدو و قادته العسكريين و أجندته القتالية هي خط النار . معركة غرغر، الخناق لكحل، لغناجي، البطمة وغيرها. بصمات الشهيد فيها ابلغ من أيه شهادات ..ولإحباط مخططات العدو وقدراته لعسكرية كانت حرب العصابات هي الشبح الذي أربك العدو، وقيض مضاجعة واستنزف إمكاناته، وعلى هذا الوتر التنظيمي اللوجستكي اسند للشهيد قيادة فوج تكفل بمهام التموين والتبليغ والدعاية وغير ذلك.
وفي سنة 1957م بينما كان الشهيد مع مرافقين في مهمة، ففي واد الجَّدِيدَة الكائن في ضواحي قنتيس بولاية تبسه احتضنهم احد الكهوف ليصنع بهم ملحة الاستشهاد و شهادة الإيواء الأبديّ و قبل أن تصل إليهم يد الغدر أبا الكهف إلا أن يسقط معهم مسجلا آية التلاحم الكوني في أرقى صورة واطهر تضحية و أنقى موقف.  ولعل قادم يوما ما سيضع يده كاملة على جزيئات وتفاصيل المرحلة الأخيرة من حياة الشهيد..تكتمل القصة و تعبر إلى مرفإ الخلود وترانيم العهود .