أيها الأجداد



أيها الأجداد

أيتها الجدات

أيها الآباء

أيها الأعمام

أيتها العمات

وإلى كل من ورد ذكر اسمه حسب مقتضى السياق إليكم يهدى هذا العمل





ظهيرة أولاد علي


ظهيرة أولاد علي موقعا تقع شمال شرق زوي المقر، وهي محاذية لتلك السفوح والهضبات الممتدة إلى جبال الطباقة وغيرها.
وهي ليست ببعيدة عنه-أي زوي- وحين يقف المرء على مرتفعات الثكنة، ولصاص ، وعلى امتداد البصر يرى المنطقة، أو حين يكون قادما من خنشلة، وقبل أن يصل إلى طاحونة القمح سيشاهد أغلبية مواقعها، أراضيها، وآثارها، وأطلالها، شجرتي الصرول اللتين أبتا إلا أن تتحديا عوامل الهجر، والنسيان ، وكأنهما بذلك تحملان لواء الوفاء للذكريات، وأمل العودة .

سكانها وملاكها، يطلق عليهم (أولاد على بن براهم )، ولي صالح، ضريحه في تونس –حيدره- مقصد للزيارة ، والتبرك حسب الثقافة الشعبية السائدة طوال مراحل معينة عرفا صنفت (مشتة )تتكون من أسر، وبيوت ونظرا الصعوبة التحديد من حيث البعد التاريخي لعملية الاستقرار، وكذا عنصر الانتساب من خلال الربط بين الفرع الاصل فالعملية تبدو أكثر تعقيدا من جراء الحلقة المفقودة القائمة الا أن الامل سيبقى قائما، وهذا ما سنسعى اليه، ولعل هذا الاهتمام سيدفعنا ، او يدفع غيرنا الى خوض غمار هذا الأمر ولو بأبسط استقراء واستنتاج .


فإذا كانت الأجيال الاربعة التي مرت ، على امتداد مراحل زمنية متبيانه ، لم يتسن لها أن تترك شيئا يمكن الاعتماد عليه في التعرف على الاجيال الأخرى التي عاشت في مراحل زمنية سابقة ، ولها في ذلك عذر بل الف عذر ، وعذر و ذلك نتيجة عوامل لاحصر لها .

وبالتالي فإن هذا العذر ليس من المعقول أو المنطق في شيء أن يجري على الجيل الحالي باعتباره الجيل الخامس ، ومن هنا فلزام عليه أن يتدارك الآمر ليستغل ما أمكن استغلاله تاريخا وتأريخا أليس الانسان هو التاريخ نفسه ؟.


خريف 1919 م


دوار أولاد علي.. خريف 1919م.. الصبح يوشك أن ينغلق..غيوم تحجب ضياءه..نسمات خريفية باردة..تصل إلى كل مكان..دلائلها..لا يدركها , ولا يتفاعل معها إلا هؤلاء القابعون هنا , و هناك , المتشبثون بالأرض و الضرع رغم السلب و القهر, رغم مشاق السعي و تطاول * لصاص * و أذنا به. إلا أن ما كان يخفف عنهم أعباء أيامهم , استلقاؤهم على الأرض مساء بل أبلغ من ذلك إحساسهم المتنامي بتعلقهم في الحق في الحياة , هذه الحياة , هذه الحياة التي تبدو أنها حبلى بأحداث.. بأشياء يصعب الخوض فيها رغم الحاح الفكر , و معطيات الواقع.
بعيدا عن هذه الأجواء..و بعيدا عن أحاديث الفكر , و القلب , فالحدث هناكح , قل حركة , شوشرة في وسط أسرة # معروف # هذا الرجل الريفي المحض , القادم من القرن السابق , عمره أكبر من الأحداث , من المتغيرات التي عرفتها المنطقة عن بعد, و عن قرب, هو, جيله, أترابه هم التاريخ نفسه, بكل جزئياته, و تفاصيله, و تراكماته..و حتى لو حاول التاريخ في أية مرحلة من المراحل , لا يمكن أن يزيدهم , أو ينقصهم شيئا , و السر , كل السر , أن ما صنعوه , كان يصنع بصمت , بعيدا عن التطلع , عن الأضواء عاشوا على صدق ذواتهم , و لم يستطع الوافد الأجنبي أن يستحوذ عليها, أو يسلبها منهم رغم سلطانه , و سطوته .
لنعد إليه , لنقترب..ماله قلق؟.. جلسة البارحة مع بعض أفراد أولاد على كانت عادية , حول الموسم الفلاحي جميع أفراد العائلة لم يغمض لهم جفن ليل الحيرة في الريف عمره طويل .

معروف يتحرك تارة يقترب من الباب و تارة يخرج , يسير , يبتعد عن البيت لكن نباح الكلاب من مختلف الجهات ترغمه على العودة , و دون شعور يجد نفسه أمام الباب واقفا.. و لسانه بالدعاء يتحرك..

الأبــــناء منــزوون في زوايا البيت المجاور.. صراخ , و آهات الأم ينبعث .. يخترق الجدران .. و الأذان .. تارة يعلو .. و تارة يخفت.

ثلاثة نساء حولها , الوجوه واجمة , الكل يدعو.. و يتضرع إلى الخالق, بما يعرف رجاء أن تضع حملها بسلام .

محمد .. كبير الأبناء, لم يتوقف عن قراءة و ترداد ما يحفظه من سور القرآن الكريم إنه المخاض . والوضع .. حكايته في الريف, في البادية حكايات, وحكايات , أقرب أنى الخيال و الأسطورة , و لولا رحمة الله – سبحانه – لكانت هناك مأساة و مأساة.
وسطعت الشمس على المولود الجديد .. و راحت أشعتها الضئيلة تتسلل إليه خفية من وراء ثقب الباب .. و هو ملفوف في قطعة قماش , كأنها تريد أن تكون أولى من يخبره , و يفضي إليه , بذلك الحديث , الحديث عن الوطن المغتصب , عن الكرامة المهدورة , عن الحرية المفقودة .

و من يدري ؟ لعله قد يصدق حديث الشمس فتتبدد المحن عن أفق هذا الوطن.

فرنسا قلقة


وتمضي الأيام .. و يجري الزمن يسابق أحداث لا تبقي , و لا تذر .. صور المأساة , و القهر , هنا .. و هناك سياسة اليد الحديدية تتضاعف العدو يتفنن فيها ليل نهار.

الجزائر في هذه الأيام, في هذه الأجواء أجواء البطش, والاضطهاد, عاصمتها تموج , تتحرك , الطلاء , الإعلام ,ا للفتات , الشعارات , فرنسا سلطة و شعبا , تتأهب استعدادا لاحياء مناسبة تاريخية قرن كامل مضى، على حساب اندثار ، وفناء قبائل وأسر ، لايحصى لهم عدد ولا يعرف لهم أثر، قصة قبائل مقرة عينة من الشواهد المتناثرة عبر هذه الحقبة .

مظاهر الدعاية ، وفرت لها كل الامكانات والطاقات ،(البراجون ) يتنقلون من مكان الى مكان ، يخبرون ، يبلغون ، يدعون الى التشريف بالحضور .

العالم ، صغيرة وكبيرة ، سيكون حاضرا سيشهد ، ويشاهد ، ويستمع لخطاب فرنسا عن وجودها في بوابة افريقيا…

الانجازات الكبرى ، الحضارة , فضل وقيمة الرجل الأبيض، المسيحية أولا واخيرا.

وبعيدا .. وبمنأى عن هذه المهرجانات وضوضائها، فرنسا هناك، وهنا، قلقة ، القادة ، الساسة ، ينتفضون غضبا ، وشتما كلما ذكر اسمه  ..


من ؟ …


هو ..هذا العائد من الحجاز إنه يتحرك ..حديثه ..يجب أن يوضع له ألف حساب ، هكذا علق أحد أقطاب المعمرين… حديثه يسري بين الأمة ..يصل إلى كل مكان المتعطشون لكلامه يزدادون يوما بعد يوم ..أحد إخوانه حل بسوق زوي في تلك الصبيحة الممطرة ، خاطبا ، مذكرا باعثا للهمم المنطقة ضامئة لمثل هذا الحديث إنه من نوع آخر… شتان بين ما قاله هذا الرجل ، و ما كان يقوله (( المداح )).

اكتشاف الذات ..التشبت بالانتماء بالهوية أحاسيس ، هموم، أفكار ما فتئت تتفاعل في الأعماق تتطلع للتعبير ، للنقاش و لو كانت مجرد فضفضة بسيطة.

فالمنطقة بما فيها ..كل شيء يتحدى ..يرفض القيود...يأبى الاندماج و الذوبان.. ما ينشره و يحمله،و يردد ه العملاء و الأذناب ما هو إلا وشاية و زلفى لخدمة و استرضاء للعدو.
        شبح التجنيد

صبيحة الاثنين من تاريخ العناء و العذاب جمع يتحرك كبارا و صغارا رجالا و نساء يتجه صوب الشاحنات العسكرية لمرافقة أهاليهم ، و أقاربهم.
التجنيد العسكري هذا الشبح الذي يطارد الشباب و يقلق الكبار لا يراعي أدنى الاعتبار ..مظاهر تتكرر ، إنه المصير المجهول . الموقف نفسه عاشه ( بوزيان ) كان صادقا ذات يوم لم يجد من وسيلة يعبر بها عن رفضه ومقته لهذا الواقع غير تحطيمه للناي لما ودعه أهله و صعد الشاحنة، مكرها مرغما صامتا.

حكاية  (لاندوشين ) ليس لها نهاية، ما يرويه الشباب العائد فوق كل تصور (بصيود ) هذا الشيخ الشاب في ذاكرته مالا ينفد، التاريخ الحياة أحداث وأحداث أيامه أمانيه، اختصر كل ذلك في آلته الخياطية لقد سكتت حزنا وتضامنا معه ذات يوم حين زار عالم القضبان، نتيجة خلاف عائلي.

تلك الأمسية ستظل تشهد على بساطته، و روحه المرحة، و قناعة نفس فأثناء أيام العزاء.

عزاء رحيل الحاج عباس جلال، شعر برغبة شديدة إلى لعبته المحببة «الخربقة » فقام، وأوى إلى أحد الجدران، وأخذ يهيئ شكلها على الأرض، فأقبل عليه الحاج أحمد دقيش، ثم تبعه رمضان معوش، فشرعوا في إدارة لعبتها مع الاسترسال في الحديث، وإثارة بعض المواضيع، وكان عنصر الفكاهة، والترفيه سائدا بينهم، يستهوي غيرهم للاقبال عليهم كذلك…
ولما دار الحديث عن الجنة والنار، والاستعداد ليوم الرحيل، أحس كأنه معني أكثر من سواه، بحكم سنه، توقف عن اللعب، ونظر إليهم قائلا: اطمئنوا، فأنا لا أدخل النار لأنني لست بطحان (ديوث)، وضحك، فضحك الجميع، نظر رمضان إليه، ثم قال:  ماذا لو أعددنا لك تكلفة أداء فريضة الحج، أتذهب؟ وتدخل كذلك الحاج أحمد مدعما الفكرة، حدق فيهما واحدا بعد الآخر، ثم أعقب ذلك بابتسامة تخفي وراءها هموما، وهموما جاثمة في أعماقه، شدة الأيام، ومسؤولية الأسرة وتكاليفها العسيرة.

فكرة … لو تحققت… فهو وأمثاله، وأمثاله يستحقون الكثير … والكثير…
وجاء نعيه ذات يوم … فكان رحيله بسيطا عاديا، كما عاش بسيطا عاديا.

معروف أصلا وفرعا


أسرة معروف أسرة ريفية كبقية الأسر الجزائرية في ذلك العهد، هموم الوطن المغتصب وعبء الحياة، ثنائية تحول، وتحول بين الحر والحياة الكريمة.

اسمه الكامل معروف بن أحمد بن سعيد تاريخ الميلاد: 1875م الوفاة ؟…..

أمه حيزية، يقال أنها من أولاد عمار وحين تزوجت والده أحمد، ألحقت بلقبه.

معروف وبناء الأسرة


فحسب ما ذكره ابن أخيه الهامل بن سعيد بن أحمد بن سعيد، باعتباره آخر من لازال على قيد الحياة من الجيل الرابع.

أن معروفا قد تزوج في أول الأمر من (تازبنة) امرأة من ضواحي تبسة شرقا أنجب منها الطيب الذي تزوج من شهلة بنت عيسى سعيدي.
أما زواجه الثاني فكان من نافجة بنت عمر صندل من مواليد 1895م … الوفاة ؟…..

وقد خلفا أربعة ذكور وأنثيين، كما سيرد ذكرهم في وقفات متواضعة.
ويبقى -وحسب دفاتر البلدية- أن تحديد التاريخ أمر نسبي، غير أن الحقيقة التي يمكن الإشارة إليها، أنهما عاشا في هذه المرحلة الزمنية من العقود الأخيرة من القرن الثامن عشر وعقدين أو أكثر من بداية القرن التاسع عشر، على الأقل بالنسبة لنافجة.

معروف رحل والنوي لازال رضيعا، أما نافجة فقد رحلت بعد أن صار النوي يمسك عصا والتي تحولت ذات يوم إلى بندقية تصنع التاريخ.
نعم … رحيلهما من هذا الوجود كان مبكرا، كما جاءا، رحلا، … وطوى الزمان ذكريهما فيمن طوى. وبعد رحيل جميع الأبناء يصعب الوقوف على أبسط حقائق تتعلق بهما ذاتيا، حتى آخر من بقي من جيل فجر القرن العشرين سواء على مستوى قبيلة ((سعيدي)) أو غيرها، لا يقوى على الإسترسال في الحديث، أو التذكر.

ويبقى خالص الدعاء لهما سبيلا للتخليد، والخلود، والذكرى.


محمد (1903م-1978م)


محمد كبير الأبناء، ينفرد عن بقية أشقائه، أنه أخذ قسطا من التعليم … القرآن الكريم … على من قرأ، وتعلم وحفظ … السياق لا يدري. فهو يقرأ ويكتب وبالخط نفسه الذي تعلمه على اللوح لعل هذه الخصوصية في نشأته كانت وراء تعلقه بالنشاط التجاري الذي اتجه إليه مبكرا واستقر فيه قرابة أربعة عقود ونصف، فهو يعد من أقدم تجار المواد الغذائية على مستوى المنطقة.

اكتوى بنير الاستعمار قبل وبعد الثورة بحكم طبيعة نشاطه، وقرب منزله من الثكنة، ولصاص، عاش المراحل المختلفة لحظة، لحظة، وحين حلت الثورة كان عمره يزحف في العقد السادس، فلم يبخل عليها بأي شيء، انتماء، وفكرا، وعطاء، فكل من حدث أن اتصل في مهمة تنظيمية أو غيرها، يشهد له بذلك.

وقد لقي ما لقي، حرق اشجار بستانه، أثناء حرق الدكاكين، الاعتداءات المتكررة، السجن، الاستنطاق، التعذيب…

وشاء القدر بعد ذلك أن يشهد الاستقلال ويفرح، ويفتخر، ويتمنى، لكن؟……
التهميش، وأحادية الانفراد بتاريخ الثورة، واستحقاقاتها، والمرض كل هذه العوامل أثرت على صحته. فرحل وفي نفسه أشياء وأشياء، حقائق وحقائق، لم يبح بها، احتسب أمرها إلى من بيده الأمر كله.
من آثار خطه أثناء نشاطه التجاري:

باهية1907/1964:


أنثى من إناث زمانها، حياة عادية، اهتمامات بسيطة، نصيبها من الذكرى أنها تزوجت مرتين وخلفت فيهما خلفة.

خلد اسمها من خلال حفيدتين في كل زواج. لم تعمر بعد الاستقلال، عاشت ورحلت على وقائع وذكريات استشهاد شقيقها النوي وابنها غقال معوش.

غقال الذي خلد كذلك من خلال أحد ابناء شقيقه والذي رحل ذات يوم على إثر حادث أليم وهو في ريعان شبابه.

إنها أيام، وأحداث، وذكريات … كما مرت تتجدد بين الفينة وأخرى، أجدى ما فيها العبر، والدعاء.


عثمان 1912/1978:

إنسان عادي، هادئ الطبع، تغلب عليه البساطة في تصرفاته، وأفكاره ، واهتماماته. قضى القسط الأكبر من حياته بين الزرع والضرع.

بعد الاستقلال استقر به المقام بزوي وراء الواد شرقا، مستغلا قطعة أرض للغرس والزرع، وبقرة حلوب.

ميال للعزلة لا يظهر بين الناس كثيرا، ولا يكترث بما يحدث حوله، أو ما يدور … يشعر بغبطة كبيرة حين تكون الساقية مملوءة، والماء ينساب، وأغراسه تتحرك على وقع الشرب والامتصاص.

نعم: لقد رحل، فرحلت معه تلك الأشجار الظليلة، وغابت إلى الأبد عرانس الذرة، وغزا البنيان وحركات الأرجل كل المعالم.


الصيفي 1915/1973:

البيئة هي البيئة، النشاط هو النشاط، حسب طبيعة المواسم، تنقل وترحال بين الظهيرة وقارت، وصحراء الميتة وراء القطعان.

عرف بخفة الروح، والميل إلى المرح، وتلقائيا تراه مع جليسه ينساق إلى الحديث عن الأيام والذكريات، والشباب، والأعراس.

يعشق تبغ  « العرعار » رغم السعال الشديد الذي يسببه، وشرب القهوة، فتراه يرتشفها إرتشافا، يتبع ذلك بصوت يعكس التلذذ، والنشوة.

مال الي مهنة البناء حين صار مسؤولا عن أسرة، فكان من ضمن بنائي تلك المرحلة، حيث وجد فيها ذاته، ومتنفسا لما كان  يجيده من حكايات، وأحاديث.

البيوت الطينية، والحجرية لازالت قائمة … تشهد عليه، وله، وخاصة في مقر سكن شقيقه الأكبر محمد … وحتى حين برز الإسمنت، حاول أن يتلاءم معه، لكن سرعان ما انصرف عنه كما انصرف عن مهنة البناء كليا وظل كذلك.. لا يغادر بيته الكائن في الظهيرة ( ظهيرة أولاد علي) إلا لأغراض ما، فالمنطقة إلى عهده كانت تعج بالحركة والحياة، والآمال.

وفي صحراء الميتة ومن الجهة الخلفية لموقع السوق والمحلات التجارية، وعلى بعد مسافة متوسطة، كان الدمع، وكان الحزن، وكان الفراق.. رحل بعد مرض، ففي تلك المقبرة التي وراء المحلات التجارية أوسد التراب ليزداد بعدا عن بعد، عن الأهل، عن الأقارب، عن الخلان، فلا سبيل للوصال إلا الذكرى والدعاء.


حيزية 1917/1996


حملت اسم جدتها من أبيها، حياتها، أيامها ذكرياتها، لا تختلف كثيرا عن شقيقة الوحيدة.

رحلة زواج  مرتين، وخلفة في كليهما، ثم استقرار بعد نزوح من الظهيرة مع أحد ابنائها بزوي، تتوسط سكني شقيقيها، تراهما، ويشاهدانها صباح مساء… إلى أن رحلا متتابعين، وبقيت وحيدة، تعيش على وقع الذكريات، والأيام، وحضور صلاة الجمعة، والأعياد، إلى آخر لحظة من عمرها، فكانت آخر ورقة تطوى من حياة أسرة معروف.


النوي 1919/1956


الحديث عنه يحتاج إلى رحلة طويلة تمتد بامتداد عمره، تعاش لحظة لحظة، ومع كل واقعة وقعت، ومع كل حادثة حدثت.

فالجزائر في هذه المرحلة، وفي هذه الفترة بالذات، كان لها موعد حاسم مع التاريخ، مع حقيقة وجودها، حيث كتب لها امتحانان لا ثالث لهما، مرة قبل الفتح الإسلامي حين دحر كل وافد أجنبي غير متجانس معه في الأصل والفصل كما يقول التاريخ.

ومرة أخيرة في العصر الحديث الذي كان الامتحان فيه شديدا، وخطيرا، لأن الصراع في الأولى ارتكز على دوافع السيطرة والسطو، والهيمنة أما في الثانية فالصراع صراع حضاري بحت، وما أسفرت عليه مخططات وقرارات هزائم الحروب الصليبية تأكد ذلك.

إن الجبل الذي صنع الملحمة الأخيرة لجدير بكل مظاهر ومعاني التقدير والإشادة، والتاريخ وكفاحه، ونضاله، رصيد مرجعي، وحكم فاصل في كل عنصر يتعلق بالانتماء الحضاري ماض وحاضرا ومستقبلا.
وما أورده صاحب (الظلال) في (معالمه) لهو أهل له تأسيا، واقتداء. وكيف لا؟ والشاعر، والمجاهد، والثائر الجزائري خلدها شعرا ونغما
        « وذكرتنا في الجزائر بدرا       فقمنا نضاهي صحابة بدر »


طفولة وشباب:


طفولته كانت غير طبيعية، كطفولة كل طفل جزائري يعيش في الريف أثناء الوجود الفرنسي الغاشم … فتح عينيه على صور لا تماثلها أية صورة أخرى، الفقر، الجهل، الحرمان، الظلم، التسلط، ….و…..

لم يحدث أي تغيير في مرحلة شبابه يشذ عن الوضع، فالواقع هو الواقع، والمعاناة هي المعاناة، وتطاول « لصاص »  وأذنابه لا يستثني أحدا، ولا يفرق بينهم … إلا أن ما كان يخفف عنه، وعن غيره، وأمثاله هو ارتباطهم بالأرض زرعا وضرعا، وراثة وميراثا نظرا لطبيعة المرحلة، والبيئة، فمثل هذا النشاط في كل زمان ومكان يعطي لصاحبه فسحة من الأمل، وسندا قويا للمقاومة النفسية للتخلص من كل أشكال الضغوطات، والتحديات، سواء أثناء السيادة، أو أثناء فقدانها، وخاصة حين يتكامل الفكر مع العضد.

والنوي في ظلال هذه الأوضاع ، وفي أجواء هذه المعاني عاش وتحرك، بكر وسهر، جال وصال، أقبل وأدبر، سر وحزن، سواء كان ذلك من أيحاء الواقع وتفاعلاته، أو من آثار معطيات القيم والأصالة المتجذرة طبعا، وسجية.

واستمرت أيامه هكذا … إلى أن اهتز كيانه ذات يوم على وقع أزيز شاحنات التجنيد العسكري الإجباري… لم يكن هذا الإهتزاز نابعا من الخوف، والمصير المجهول، وإنما كان نابعا من مقته للعدو، وكراهيته له،
وبلا انتظار ألقى نفسه مع الألوف من أبناء هذا الوطن تتقاذفهم أمواج القرارات العسكرية من مركز إلى مركز، ومن ثكنة إلى ثكنة، ومن منطقة إلى منطقة، ومن بلد إلى بلد، معرفة أبسط الحقائق عنه أثناء فترة تجنيده غير ممكنة (بصيود) الشخصية الوحيدة التي كانت تعرف عنه الكثير والكثير، لكنه رحل ….
وقبل أن تتوقف كلمات هذه المرحلة، هناك حقيقة جديرة بالوقوف عندها استجلاء للحقائق ورصدا لأحداث فالعدو حين أقدم على سياسة التجنيد الإجباري كان يعتقد أن ذلك سيساهم في تقليص عدد السكان من خلال فذفهم إلى الصفوف الأمامية أثناء المعارك المختلفة، هذا من ناحية، أما من جهة أخرى سيتدعم ويتكرس وجوده أكثر.
لكن شاء القدر أن يعود العديد منهم من براتن الموت وهم أكثر وعيا، ومعرفة بخبايا ما يحدث في العالم، اضافة إلى الخبرة العسكرية، وحين قامت الثورة التحريرية الكبرى كان لهؤلاء النصيب الأوفر في دحر العدو، ومجابهته، واحباط مخططاته، ودسائسه.

في ظلال قارت:


« قارت » صورة حية للريف الجزائري، شساعة الأراضي، خصوبة التربة، الملاك فيه قبائل شتى، تعدادهم كتعداد خطوات الأرجل.
السنبلة، الشاة، البيضة، استرزاق وراءه جهد متواصل… الماء الصالح للشرب طلبه عسير، آبار بعيدة، سحيقة، رحلات مبكرة تتكرر يوما بعد يوم.
إنها محطة استراحة، ومعبرا لرحلة القوافل نحو صحراء تقرارت، والميتة، خريفا ذهابا وهبوطا، وفي أواخر الربيع عودة وصعودا.
الحياة فيها لا تختلف كثيرا عن هناك … في جبال الدجى، أو على امتداد جبال البغيلة، وبودخان، أو عند الربى الرملية في تقرارت أو الميتة.
تشبث النوي بهذه المناطق كتشبث أغلبية أترابه، إنهم لا يطيقون رؤية « لصاص » ولا العلم الفرنسي، فإذا قصدوا سوق زوي، أو زيارة الأقارب تراهم يغيرون المسالك ، والطرق … احساس أخذ ينمو، ويبرز … فكثيرا ما يدفعهم إلى الانصراف إلى الذات للتأمل، للتفكير، للتساؤل، إنه نعمة، التفكير الطبيعي حين لا تعكره الشوائب، أو عوامل التضليـل، عطـــاؤه لا حــدود لـه، لقد صدق صاحب الكتاب « التفكير فريضة ».
يلمحه أحد أترابه جالسا، منفردا على شفا ذلك الواد الذي يشق أرض والده، فيسعى إليه، بعد أن حياه، استلقي بجانبه، وحين حدق في وجهه لاحظ مسحة من الهموم تكتنفه، لكنه أخذ يحادثه، ودون تقديم تهيأ ليكاشفه بالسر الذي جاء من أجله.
ما لك؟.. والهموم، وأنت مقبل على حدث بارز، يترقبه كل الشباب بلهفة، وشوق.
سكت قليلا معتقدا أنه تمكن من اخراجه من صمته، ثم استرسل …
-   ها…ها… لا تخف عني أو تتجاهل , عارف ما يشغلك , لقد أخبرني شقيقك الصيفي , بل أكثر من ذلك عثمان طلب مني أن أعرف رأيك , ينظر إليه ثم يحول بصره إلى الأرض , كأنه يريد أن يقول شيئا … لكن التردد يصده , كأن الأمر أكبر من الكلام , وأكبر مما يجول في أذهان الناس … فجأة … ينطق … فتبرز مظاهر الفرح على وجه صاحبه , فيطلب منه أن يتحدث … أن يقول شيئا … أن …
-       آه … يا صاحبي من أين تأتي اللهفة ؟ !
ومن أين يأتي الشوق؟ ! إذا كان كل ما هو جميل في ربوع هذا الوطن يغتصب.
يقاطعه صديقه قائلا: أشاطرك الفكر، والاعتقاد، ثم يتابع الاستماع إليه.
-   فإذا كانت فرنسا، وبأذنابها راحت تلاحق الجزائريين حتى في كهوف، ومغارات جبال « سيكيو » وأن تجردهم من أبسط ما يملكون، وأن تستميل ضعفاء القلوب، والنفوس لتجعلهم أوصياء… لكن هيهلت… فالأيام أثبتت وتثبت، أنها ما تمكنت، ولن تتمكن من قلوب الألوف… والألوف… ففي الأعماق تولد الحياة… الحضارة… التاريخ. الهزيمة حدثت حين إهتز كيان الإنسان الجزائري.
يتدخل صديقه وأثر الكلام واضح على ملامحه:
-   نعم… في أجواء هذه المعاني يجب أن نعيش، وبالايمان لا غيره سنصنع المستقبل، وإذا تخلينا – لا قدر الله- حتى على هذا المعقل ستكون النهاية إلا بداية.
-   صدقت… هذا ما يساورني في كل خلوة، أجد نفسي منصرفة إليها، وأعتقد أنه الإحساس نفسه الذي يساور الملايين من أبناء هذه الأمة في كل بقعة من بقاع هذه المعمورة.


جلسات… ولقاءات… وأحاديث عفوية تنم عن صدق الأعماق، وأصالة الانتماء، رغم بساطتها، وعفويتها إلا أن مستوى الوعي والإدراك فيها لا يقل شأنا عما يحدث، ويجري في كواليس الساسة والسياسة، ومنتديات التنظير، والتحليل.
افترقا … بعد ان باح النوي له، قائلا:

لا أدري هذا العام، أم الآخر، الأمر لمشيئة الله تعالى…
هذه هي قارت التي عاش فيها النوي كما عاش فيها العديد… والعديد.    

داعب فيها المنجل مبكرا… الحياة عسيرة وصياغتها للأفراد أعسر.

قلبه فيها خفق… وخفقاته تزداد كلما شاهد السنبلة وهي تتمايل غبطه، وحبورا، فمظهرها هذا يعني له، ولأترابه أشياء، وأشياء كثيرة.

وتستمر الأيام… وبدأت قارت تستعد فالتنقل إلى الصحراء أصبح حديث الساعة.
الصبية أحلامهم لا تتجاوز مظاهر البيئة… الصحراء بالنسبة إليهم حلم يتجدد كل سنة… لعبة العصا، وكرة العصا، وكسرة الملة تالوث الكل يريد أن يظهر شطارته فيه.

بومعراف، برحايل، بوشارب جلال , الكل يراهن… أن العام- بمشيئة الله- سيكون الأفضل، والأخصب، النفيضة شبعت، وأرتوت، الواد فاض مرتين في أقل من شهر.


صحراء الميتة وتفرارت


صباح الشتاء في الصحراء صباح النشاط، والكد والجد، التبكير سلوك صحراوي ريفي « وقد أغتدي والطير في وكناتها » الانسان، الحيوانات، الطبيعة حركة ملتحمة، ضوضاء صاخبة، أصوات مختلطة لا يمكن التمييز بينها، أو التعرف على مصدرها…

تلقائيا يجد الفرد نفسه منسجمة مع هذه الحركة، احساسا وتفاعلا…
حتى وإن كان مجرد زائر، أو عابر سبيل. إنه سر الطبيعة الذي تصنعه تلك النمسات الرقيقة، الدافئة، المنعشة حين تكون الجلسة جلسة على مرتفعات كثبان الرمال، ومنظر السراب الذي يغري العين لمداومة النظر… وخيم متناثرة على إمتداد البصر، ونباح الكلاب الذي لا يتوقف، وصغار الضان المعزولين عن القطيع يقفزون على أطراف الخيم، وفوق تلك التعاريش. الدجاج منهمك في تنقية الأماكن من الزواحف والحشرات.
أما هناك عند الأحبال المزروعة، المناجل تتنافس، العملية تبدأ بتحديد الحبل أو أكثر، ومقياس التحديد خطوات الأرجل، ثم يشرع في حصد نبات الزرع ليقدم كوجبات للمواشي…
كل شيء هنا في التفيضة يتحرك، كل شيء بسيط بساطة الأرض في تجردها و عطائها وشتان بين ماضيها م حاضرها…

ماض كان كله أمل وتطلع، وحاضر تتعرض فيه إلى القفز على الحدائق دون مراعاة لأبسط الاعتبارات.

في ذاكرة المنطقة حديث عن تلك المرأة التاريخية « الجازية » … القصص و الحكايات الشعبية… تقول أنها عشقت الصحراء ومرت من هناك… وحطت هنالك… آثارها لا تزال تدل عليها… وتشهد « كباقي الوشم في اليد » .  

تشبث إنسان هذه المنطقة بهذه المنطقة وغيرها… تشبث مصري…رغم مشاق متعددة, و معاناة لا تنتهي من جراء طبيعة النشاط الذي يمارسه, التعامل مع الأرض فلاحة, ورعيا, و طلبا للماء…إلا أن كل ذلك بالنسبة إليه أمر هين قد أعتاد عليه , و استطاع أن يتكيف معه بشتى الأشكال, و المظاهر, ما يقلقه هاجس هؤلاء الأوصياء, اذ ناب العدو الذين لا يترددون في ملاحقتهم إبداء للطاعة و الولاء, و نهبا لأزراقهم, ضرائب, و غصب, و اغتصاب.



في مخيلاتهم صور بشعة , مؤلمة للإضطهاد, للظلم , للتنكيل…
النوي كغيره من أترابه…كتب له أن يعيش في هذه المنطقة حسب طبيعة المرحلة.

و لو أنها تنطق لأخبرت بأشياء و أشياء , بأحداث و أحداث , كيف أقام بها , وغادرها ؟ متى ابتسم ومتى حزن ؟ … إلى من كان يرتاح من أهله , و أصدقائه ؟ أمنياته , أحلامه ؟ تساؤل , و استفسار قد يطول و يطول , و يبقى كل ذلك صورة لجيل هكذا وجد , وهكذا عاش , و هكذا رحل


زواجه


الحديث عن زواج النوي حديث عادي … ماعدا التساؤل حول التأخر … و القصد الإشارة لا التعليق, أو البحث عن الدوافع و الأسباب .

لعل طبيعة المرحلة وراء ذلك , فالصراع بين العدو و الشعب الجزائري بدأ يبرز بقوة و يأخذ اشكالا مختلفة, و منابر متعددة و خاصة مع بداية العقد الثالث من القرن العشرين , و يتضح ذلك أكثر من خلال:

-       احتفال العدو بمرور قرن على احتلاله للجزائر.
-   ظهور جمعية العلماء المسلمين الجزائريين كهيئة فعالة التف حولها الشعب في مختلف مناطق الوطن والتي كان ظهورها فعلا مسمارا في نعش الوجود الفرنسي في الجزائر كما عبر أحد الذين كتبوا عن ابن باديس.
-       أحداث ماي 45 وما تبعها من أحداث.
-        ظهور الأحزاب والتنظيمات ناهيك عن الأحداث الإقليمية والدولية.
والمنطقة بين ذا وذاك، وفي خضم هذا ليست ببعيدة عن مجريات الأحداث، والعائدون من التجنيد الإجباري يحملون الكثير والكثير من الحقائق.

زواج النوي تم في بداية العقد الخامس وزوجه هي غزالة بنت عبيد سعيدي وهي شقيقة زوجة أخيه الصيفي.

وقد كان هذا الزواج للأهل، والأقارب،والأصدقاء، والجيران فرصة للفرح ، ومتنفسا من المعاناة، وأياما للرحبية، والناي، وأهازيج النساء.

« منصر سعودي » كان فارس الرحبية في تلك الليالي، قبيلته إنفردت بهذا الفن فصارت تتوارثه جيلا بعد جيل.

« علي بن عبد الله سعودي » … هذا الشاب الوسيم، كان حاضرا، الكل يسترق النظرات إليه، ينتظر بلهفة متى سيقوم، إنه يجيد أداء الأغاني مفردا، صدى صوته شبيه بــ « عيسى جرموني » لو مد في عمره لدخل هذا الفن من بابه الواسع.



نوفمبر الثورة والتاريخ


« ولعلع صوت الرصاص يـــــــــدوي         فــــعاف اليــــراع خرافــات حــبر »
« السيف أصدق أبناء من الكتـــب         في حده الحد بين الجد واللعب »

بهذا المنطق الجهادي، الثوري، عبر العديد من شعراء الأمة قديما، وحديثا، والعدو بين ذا وذاك، وفي كل زمان ومكان تلميذ بليد كما عبر الزعيم الفيتنامي « جياب » والعدو الفرنسي الصليبي ما كان يتصور أن وجوده في الجزائر سيكون وجود الثورات والملاحم، والتضحيات.

ما إن وطأت أقدامه أرض الجزائر حتى جوبه بمجابهات ، وثورات، ومقاومات، واستمر الرفض والتصدي إلى آخر، وآخر لحظة من رحيله.

كل الدعايات، والشعارات التي حملها ورفعها لإيهام الرأي العالمي تبخرت … جاءوا بالحضارة، والتمدن…

لكن الواقع التاريخي قال: غير ذلك .. لقد صدق « محمد ديب » حين جسد صورة قدومهم : « ألوف الهكتارات كانت تصير ملكا لمعمر واحد من الفرنسيين وهؤلاء المعمرون جميعا سواء لقد وصلوا إلى هذا البلاد بأحذية مثقبة نعالها. إن الناس لا يزالون يذكرون الحالة التي كانوا عليها حين توافدوا إلى هذه البلاد، وهاهم أولاء الآن يملكون مساحات من الأرض لا تعد ولا تحصى » محمد ديب بتصرف.


النوي نوفمبر:


في غياب المراجع والشهادات الموضوعية التي يرتكز عليها لإجتناب أي خلل أو شطط، وخاصة في مثل هذه المرحلة الدقيقة التي لم تخل من المزايدة، والتغييب، والإنتقاء، والغريب أنه حتى في مكتب التوثيق بالمديرية الولائية لا أثر لهذه الحادثة … تاريخيا أو تأريخا. ومن هنا فالسياق سيحاول كيف يقف عند بعض الحقائق التي يبدو أنها ستفرض نفسها بنفسها تلقائيا.

نعم… هكذا، وفي أجواء تكسير القيود، وصنع التاريخ، والحدث، كان نوفمبر، فاحتضن النوي كما احتضنه قلبا، وقالبا، ومثل العديد، والعديد من إخوانه، وأبناء وطنه، فألقى فيه –أي نوفمبر- الذات المفقودة، والكرامة المهدورة، والحرية المنشودة، فقضى تلك الأيام الجهادية المقدرة له في سجل الغيب في ظلال الجهاد والفدا، وعلى إيقاع وأنغام صور البطولات، والاستشهاد التي كانت تفد على مسامعه، ومسامع إخوانه من هنا، ومن هناك، ومن أنحاء التراب الوطني فتسمو لها نفوسهم، وتقوى عزائمهم، فكان كل واحد منهم أمة بكاملها، إلى أن حانت لحظة الفراق، والرحيل، والإستشهاد فتمكنت يد الغدر فرنسا العجوز وأذنابها ، فوقعوا أوراق استشهادهم في موقف كله جبن، ودناءة، وهذا حين أوى الشهيد مع جماعته التي كان يقودها « لحسن مرير » لما شعروا بانكشاف أمرهم نتيجة وشاية إلى أحد الكهوف المتواجدة في شعبة الآخرة الواقعة بقرب « حمام الكنيف » … فضربوا، وقصفوا بكل أنواع، ووسائل الدمار والقتل التي كان العدو يتقن فيها، فانهارت فوهة الكهف، وانسدت عليهم، فكان الحتف رغم محاولتهم الغطس في الماء لتفادي الإختناق من جراء الدخان المسموم، لقد أغلق باب التاريخ وذلك في سنة 1956م وبقي موصودا يترقب وينتظر.

ومن بين الروايات التي تسمع من أفواه بعض الذين ينتمون إلى هذه المنطقة التي لا زال الصمت يخيم عليها رغم التطور الذي عرفته العديد من المناطق أقل شأنا منها، ورغم تواجد مركب « حمام لكنيف » بها لكن … وكأنها أبت إلا أن تظل وفية، مخلصة لتلك الحادثة … ومن قال؟…. لعل التاريخ يوما ما … يتحرك فيها، ليقول كلمته الفاصلة…

المنطقة كما هو معروف …. فأغلب سكانها هم الرزايقية، ولمرادسية، والصراحنة … الخ…
أما حادثة استشهاد المجموعة فقد مرت بمراحل استغرقت وقتا اتسم بالتكتيك العسكري، والفني معا في مواجهة وإدارة العملية من قبل العدو.

أما تفاصيلها، وحيثياتها، بدأت أولا بعامل الوشاية، والتحريات استطاعت، وتمكنت من الوصول، وتصليط الأضواء على مصدرها وفاعلها، إلا أن الوقوف عند ذلك يبدو لا أثر له ولا قيمة، وهذه الإشارة أبلغ دلالة في سياق الحادثة … من حيث البعد التاريخي وخلفيته.
أما المجموعة حين أحست باكتشاف أمرها التجأت إلى إحدى تلك الكهوف التي تعودت عليها، ولعل عامل الوقت كان في غير صالحهم في اختيار البدائل في مواجهة الموقف.

أما العدو فقد استغل الوقت، وعامل الوشاية في تحركه .. حضوره، والإحاطة بالموقع كان كلمح البصر … حيث لم ينتظر لحظة فشرع في عملياته التي انصبت على توجيه مختلف الضربات، والقذائف على فوهة مدخل الداموس، إضافة إلى رمي القنابل اليدوية المختلفة الأشكال. وفي أوج الأحداث الملتهبة نارا ودخانا، وحقدا، يفاجأ العدو من حيث لا يدري، مفاجأة داست على كل مخططاته، وفنيات خبرائه وقلبتها على عقبها، وجعلته على إثر ذلك يتصرف وكأنه أمام معركة حاسمة، لا يملك إزاءها خيارات أخرى… حتى توقيت العملية حسب عمر الثورة لا يمكن أن يكون محل تسويغ لمبرر … ما…..

القراءة هنا مفتوحة إلى أبعد حد …على الأقل أثناء صياغة المضامين، فكرية كانت أو تاريخية، أو حربية بحتة …إذا… المفاجأة كانت من حظ ذلك الضابط الفرنسي الذي ربما تكون سلالته منحدرة أو متصلة بأولئك الذين قدموا إلى الجزائر ذات يوم بأرجل مثقبة نعالها.

ودون اكتراث منه، أو تقديرا للأمور، اتجه إلى فوهة مدخل الكهف، وما إن أطل ببصره حتى كان هدفا سهلا لطلقات المجاهدين المطعمة بصيحات « الله أكبر » فسقط قتيلا بنصفه… فما كان من زملائه إلا أن زحفوا على الأرض منبطحين، وجروه من رجله.

بعد هذا التطور في الأحداث التجأ العدو إلى خبراته، وأذنابه، فعلم أن مدخل الكهف يحتوي على مداخل متعددة وفي جميع الإتجاهات وكذلك في شكل منعرجات مختلفة الأشكال تحول، وتعيق وصول القذائف إلى أبعد ما يكون….

طبعا … هذه المعلومات للموقع لا شك أنها من تبرع؟؟؟ وعلى هذا الأساس اقترح الخبراء إعداد قذيفة ذات أشطار تحمل في طياتها السم القاتل, و الدخان الخانق… و دون أن يستغرق الوقت قليلا… أقبلت طائرة عمودية و دون تربص صوبتها الى فوهة الكهف, فتعالى الدخان مختلطا بالغبار…و أظلم المكان قبل أوانه فأنسحب العدو و بعد تأكده من هلاك المجموعة, بل فوزهم بالشهادة…و أمام تسارع الزمن …هرع إلى المكان مجموعات من أبناء المنطقة و غيرها و فرادى و جماعات , و تبعوا بتوافد أفواج من المجاهدين, و تلاحم الكل في إزالة الأحجار, و الصخور المتراكمة مستعينين بالأحصنة, و البغال في زحزحتها, و جرها.

بعض الروايات تقول أن العملية أستغرقت أكثر من ليلة, العدو يحل نهارا , و المجاهدون و المدنيون يخلفونه ليلا.

« عثمان « …شقيقه كان حاضرا بفرسه البيضاء… تمكن من دخول الكهف, و التعرف عليه… سمة جبهته كانت ناصعة…

موقف يصعب الوقوف عنده لفة , و أحاسيس و تصويرا, و تجربة فنية, فكيف بالنسبة لمن عاشه حقيقة وجها لوجه…

وطن جريح…ينزف…الجميع مستهدف وشقيقة بين ذراعيه قد ودع الحياة وداع البطولة, و الشهادة…

ايضمه إلى صدره…أيبكي عليه بكاء الشقيق للشقيق…و أي شقيق…

أيناجيه بكلمات… ايترك نفسه تقول ما تشاء, و تعبر كيفما تشاء…

و في خضم تلك اللحظات التي تنفتق فيها الأحشاء و ينفطر لها الفؤاد…لم يشعر إلا وهو يمسح الدموع بباطن كفه حياء من الحاضرين فالكل مفجوع أوانه سينتظر فاجعة أشد, و أنكى…

شكرا…للعدو فقد جعل الجزائر كلها اسرة واحدة, الدموع , الأحزان, الآلام , نفسها…نفسها.

حال الأقارب لا يقل اثرا من حال عثمان « كزغب الحواصل… »

محمد… جزعه كان من نوع آخر… ظل لأيام…

لولا الحياء لدامت الى الأبد – يخرج كل صباح بعد صلاة الصبح, فيجلس تحت تلك الشجرة, التي طالما جلسا تحتها, و استضلا بضلها معا… و الحديث حديث, و الأخوة اخوة, لقد كان بالنسبة إليه أبنا قبل أن يكون أخا و رب أسرة.

يجلس…ثم يوجه بصره محدقا الى الجهة الغربية حيث موقع مناطق حمام لكنيف…فيطيل النظر…ويطيل…ثم يتمتم مع نفسه و يعقبها بتنهيدة تكاد تمزق كيانه … بعدها يقوم من مكانه و يتجه الى محله التجاري الكائن في مقر سكنه, يفتح الباب… ثم يغلقه… ويعود الى البستان تارة يتنقل من مكان الى مكان و تارة يأخذ محرفة و يبدأ في إثارة التراب حول جذوع الأشجار تنظيما و ترتيبا…كل هذه الحركات كان يحاول من خلالها أن يمتص… و يتغلب على أحزانه…أن يخفيها…فالعدو, واذنابه يراقبون حتى الأنفاس…و الملامح…
لقد رحل النوي مجاهدا, وشهيدا , و لعل آخر ذكرى له,يحتفظ بها أقاربه يعود الى ثلاثة أيام – تقريبا – قبل استشهاده وهذا حين مرت جماعته على بيت شقيقه محمد, فتناولوا العشاء, واستراحوا قليلا وحين سئل عن وجهتهم هذه المرة, أجاب قائلا : لا ندري أتكون و جهة شرقية أم غربية…
« عمار بن السوفي الصيفي «  … كان حاضرا…في تلك الليلة الجهادية , التلاحمية أنه من أقدم المناضلين…السابقين…لكن بعد دحر العدو وكغيره من العديد…
و العديد قوبل بالتهميش , و التغيب…ولم يقدم للرجل أي صنيع يذكر في حياته كأدني إعتبار له , لاما قامت به قبيلة « أولاد على بن ابراهيم » على إثر وفاته حين اتجهت إلى أهله في موكب شمل أغلب أفرادها , لتقديم العزاء , و التعزية, وفاء للرجل, و لتاريخه.

موعد مع الداموس :


من المفارقات العجيبة أن هذا الكهف الذي شهد .. ما شهد ، زاره ابن الشهيد ، والمتحدث وثلاث رفقاء .. طبعا ، ليست زيارة تاريخية ، أو أثرية حسب مقتضى المصطلحين ، وإنما هي زيارة ذات طابع مغامراتي مرتبطة
باهتمامات الشباب في تلك المرحلة ، وتفاصيلها أن أحد الرفقاء المدعو مصطفى عماري اقترح القيام بزيارة ما إلى بعض الكهوف ، قصد العثور على بعض الآثار .. واستقبل الجميع الفكرة بالاهتمام ، والاستعداد ، والاعداد لها . اما وقوع الاختيار على هذا الكهف الموجود في حمام لكنيف كان من إختيار ، واقتراح بولعراس بعلي .
وجاء موعد الرحلة ففي صبيحة صيفية من منتصف السبعينات انطلقت الرحــلة من زوي الى خنشلة ثم الى حمام لكنيف مدعمة ومصحوبة ببعض الوسائـل البسيطة ؟ حبال ، وعصي حديدية ، ومصابيح بدوية ، ومذياع للتسلية …
واثناء الوصول ، صادفت المجموعة شيخا طاعنا في السن جالسا على قمة من قمم تلك الهضبات المطلة على حمام لكنيف ، وبعد دردشة
خفيفة معه حول طبيعة المنطقة ، وكهوفها نصح بعدم المجازفة ، فجميعها صارت مهجورة ، عكس أيام الثورة .

لكـن الكل أصر على المغامرة ، وعند مدخل الكهف بدأ تدحرج الواحـد بعد الآخر مع الاستعانة بالحبال … عقــب ذلك استمر السير في كل الاتـجاهات ، تارة حبوا ، وتارة زحفا علـى البطـون ، وتارة سيرا مع انحناء الظهـر في بعض الأحيان وهكذا .. ورغم الظـلام الدامس ، وتعدد الاتفـاق كان الضحك ، والصياح يبـددان السكـون . . ويدفعان إلى المزيد مـن التوغل والبحث ، والتفتيـش ، إلا إن ضعف وضاءلة ضوء المصابيح حـال بين مواصلة السير .. وبـدأ الحذر يستـولي على النفوس ودون تردد ارتـأى الجميع أن يكون السير جماعــيا فــي اتجاه واحد لتجميع الضوء … وتركـيزه .. وحـين تم التوجه إلــى إحدى المغارات للولوج إلى داخلها بـدأت أســراب من الخفافيش تتجه صوب الجماعة مانعة اياها من التقدم ، وبـدأت المعركة ، بل قل معارك، ولم تتوقف الا بعد الانسحاب من الموقــع، ومع الاحساس بالكلل، والعياء، كان الخروج ، ومغادرة المكان هو الحل الأنسب لتلك اللحظات، والاكتفاء بذلك، مع الاعداد لرحــلة اخرى تكون اكثر وفرة على الامكانات.
ومن المداعبات الطريفة اقترح احد الافراد ان يحمل ما يمكن حمله من الخفافيش الميتة و الجرحى لبيعها للمشعوذين فصاحب هذه الفكرة له ضلع في هذا المجال لكن من باب التحايل والتغفيل .
ومرت الــحادثتان ، حـادثة الاستشهاد ، وحادثة الزيارة ، وطواهما الزمن فيمن طوى ،لكن أثارهما وإيحاءهما أبيا أن يبرزا بقوة ، ويعودا ليأخذا النصيب الاوفر من الذكرى والقراءة و التحليل ورصد التفاعلات ..
من قال أن هذا العمل التاريخي الادبي يكون كذلك .. ثمرة لهذا الاثر والايحاء ومن قال ربما المكان الذي كان الشهيد جالسا فيه ، محتميا به ، شاهرا سلاحه ولسانه يلهج بالله اكبر .
يزوره ابنـه وتلمـس يـداه ثـراه ، ولـو أن المكـان يتكـلم لآفضـى لـه بأشياء كثيرة وهنا تتوقف الكلمات وهي تشعر أن الحديث قد يطول ، ويطول وتفاعلات الاحاسيس لا حدود لها ..
وليس أمامها إلى أن تدع القلم حياء ,واستحياء تاركة المجال مفتوحا لأية اثارة ,او تعليق , أو اطراق ..
وفعلا ..

                      رحم الله كل حر شهيد

                              لك بالنفس في الوغى مبذال
               شهداء الاوطان شهب دجاها
وشهـــود الفداء والاستبسال

دعــــــــــــاء:


" اللهم مغفرتك ورحمتك نسأل، لنا، ولجدي سعيد، وجدي أحمد وجدتي حيزية وجدي معروف وعمي الطيب وأمه وجدتي نافجة وعمي النوي وعمتي باهية وعمي الصيفي وعمي عثمان وأبي محمد وعمتي حيزية وجميع المؤمنين الأحياء منهم والأموات آمين يا رب العالمين ".





الفهـــــــرس:
-       الإهــــــــــــــــداء
-       ظهيرة أولاد علي
-       خريـــف 1919م
-       فرنســـــــــــا قلـــقة
-       شبــــــــح التجنـيد
-       معروف أصول وفروع
-       معروف وبناء الأســرة
-       محمـــــــــــــــــــــــــــد
o       من آثار خطه أثناء نشاطه التجاري
-       باهيـــــــــــــــــــــــــة
-       عثمــــــــــــــــــــــان
-       الصيفـــــــــــــــــــي
-       حيزيـــــــــــــــــــــه
-       النـــــــــــــــــــــوي
o       طفـــــــــــــولة وشبـــــــاب
o       فــــــي ظـــــــــلال قــارت
o       صحراء الميته وتاقرارت
o       زواجــــــــــــــه
-       نوفمبر الثورة والتاريخ
-       النــــــــــوي ونوفمــــــبر
-       موعد مـــــع الداموس
-       شكـــــــــــروتقــديــــــــــر
-       دعـــــــــــــــــــــــــــــــــــاء
-         


















شــــكر وتقــــــدير

إن من حـق هـذا العـمل المتواضـع أن يهـتبلها فرصة ليسدي من خلالها أبلغ معاني الشكر والثناء، والتقدير والتنويه للجهد الذي بذله طاقم مكتبة الأوراس وخاصة صاحبها: محمد  توفيق عيادي، وساعده الأيمن: ن. شريط من أجل بلوغ منتهاه.
فقد أخذ من وقتهم الكثير، والكثير كتابة، ومراجـعة، وتنظيـما، وتصمـيما، وإخــراجا.
وإنــــها للفـتة تستحـق أكثــر مـــــن هـــذا.