رجال لهم في قلب ذكرى (الجزء الأول)

 رجال لهم في قلب ذكرى

الإهداء

إليكم ولوحدكم، أيها الرجـــــال ... يهدى هذا العمـــل...    

بكلماته... بعباراته... بوقفاته... كأدنى

 وأبسط ما يقدم لكم  وفاء لأيامكم... لذكراكم...  

فكل واحــــــد منكم له في القلب ذكرى جديرة بالتذكر و التذكير و بالوقوف و التخليد وكيف لا ؟ 

وأنتم من جيل كان له موعد مع التاريخ، تاريخ البذل والعطاء، تاريخ البساطة والسماحة.

كما جئتم عشتم ورحلتم... فلا ألقاب شغلتكم، ولا مقالـــــــيد استهوتكم... فطيب الله عهـــــــــــدكم دعاء .... وذكرى.

 

أولا وأخيرا

 إن من حق هذه الأمة التي كتب لها أن تولد مع ولادة...    أقرأ... كما كتب لها الخلود ما دامت على هذا العهد.......

  أن تحي ذكــــرى كل فرد من أبنائها الذين قدمــــــوا، وأعطوا أكثر ممـــــــــــا أخذوا..   

 نعم .. أن توحي ذكرتهم بأي شكـــــل من الأشكال.... يليق بمقامـــــهم ذكرى وشهادة ، خلودا وتخليدا ...

  فهم إذا رحلـــــــوا صاروا رصيدا وملكـــا للأمة..


شكر و اعتذار

إنها لغبطة كبيرة ....أن نتوجه بكل معاني الشكر و التقدير إلى أهل هؤلاء الرجال مشيدين بتلقائية استجابتهم، وتعاملهم حين عرضت الفكرة عليهم، فما ترددوا في إمدادنا بالصور، وغير ذلك .

كما نلتمس العذر بأبلغ مفرداته ، وعباراته ،منهم، ومن أقارب وأصدقاء ،ومحبي هؤلاء الرجال عن أي تقصير في أي جانب من محطات حياتهم .

وحرصا منا.... توخينا أن تصل الكلمة إليهم ،قبل غيرهم جديدة، حارة، حية، كما جاءت .  وبدت،وهذا كتجربة أولى ....

     أملنا أن يعرف هذا العمل سبيله إلى التعميم ، وأن يصل إلى "أرض الليل " على رأي الشاعر الهندي "طاغور " .

   رغم أن ما تضمنه يفي ، ويفي بالغرض نفسه .... ولو مرحليا.

         

" وعلى قدر اهل العزم تاتي العزائم ".








                              الحاج الطيب بلعباس  1917 م ـــــــ  1998 م

أحد ركائز خنشلة

الاقتصادية والعمرانية

وأحد أعمدتها التجارية


      عصفوري الربيع ... مرة أخرى .. تأبى الكلمات إلا أن تعود إليكما ... من خلال رجلين وكفى ... رجلين جديرين بكل معاني الذكرى،  والتخليد، والايحاء، فمجرد ذكر اسميهما تفيض الخواطر بأبلغ عبارات الشهامة، والنخوة، والعطاء .

فاذا كان :

                        " جد كما الراحل أبى رحيله إلا 

          أن يصنع الحدث دمعا وثناء "

فان :

                      " والآخر جعل الدنيا في يديه

 فأقبلت عليه فتية منقادة سمحاء "

     ومن هنا .... من منطلق الفكر ... والانتماء ، تبدو الكلمات أكثر اهتماما، وتفاعلا، وانجذابا .

    فقد يغيب من يغيب ،ويرحل من يرحل ،وينسى ويتناسى من ينسى يتناسى،ويسترق الأضواء من يسرقها حقيقة ، وافتعالا، ويبقى الخلود الأدبي معلما لا يضاهي، ومقاما ينشد، منذ وهلة كلمة التأبين ... والفكر يتأرجح بين الصمت والإبانة، بين الأقدام والأحجام، بين الإستجابة والإعراض .

    إذا كان مشوار الأول " عمر زعيمي " قد توج برحلة قصصية وشعرية، فان الموقف مع الثاني " الحاج الطيب " يبدو صعب التحديد ... ما عدا البداية التي فرضت نفسها ، رغم قصر الوقت الذي جاد بها الحدث،وقصر مضمونها، فهي خلاصة لا يستهان بها، نظرا لما تضمنته من عناصر  الصدق ،و التفاعل مع الحدث .

 

 

كان يومـــــــــــــا ....

     يوم الجمعة ... كان يوما من أيام أسرة الحاج الطيب بلعباس ...خبر الرحيل سرى بين  خنشلة  وتجاوزها إلى مناطق عديدة حيث الأقارب والأصدقاء .

    مظاهر التأثر والاهتمام، يومها يصعب تقديرها بحكم عوامل النسق الاجتماعي ،كل من له علاقة به ، من بعيد، أو من قريب، راح يعبر تارة بكلمات للتأسي، والتصبر، وتارة بهمهمات ذاهبة في الأعماق تشجي عبرة وتحسرا . " أراك عصي الدمع شيمتك الصبر " .

    العاشرة صباحا ، حركة حول بيته ، الوجوه واجمة، ما في الأعماق لا يكفيه ... الدمع ، والحزن ، فمثله يستحق أكثر، شتان بينه وبين...غياب الرصيد الأدبي وراء ذلك، سباق الزمن طغى على كل شيء.

   الله أكبر،الله أكبر،الله أكبر،الله أكبر،  السلام عليكم ورحمة الله ، كلمات وما أكبرها وأعظمها، رددها الإمام، والموصلون وراءه حين أديت الصلاة عليه ، يرحمنا  ويرحمه الله برحمته الواسعة ...

   ثم حمل ، وسار الموكب إلى حيث المثوى الأخير لكل بني الإنسان في الدنيا ، وبعد أن ورى التراب جاءت الكلمة التأبينية ، ورغم حساسية الموقف،كلمة أتت هكذا ، بل هو الذي أتى بها... الملفت لم يحدث هناك أي لقاء مباشر، أي تعليل غير ممكن ... براءة شخصي عصفوري الربيع ... ربما لكن ؟!......  بعد كل ذلك  ... هذا اللقاء الأدبي كيف يفسر ؟ أهو إيحاء؟، ظلال الرجل القابع في المخيلة الجماعية قد تسترسل، تبحث ،تفتش عن سند مؤهل، مقنع، الأفضل أن يترك الحكم مفتوحا، يمكن أن تظهر أشياء أكثر علاقة، وارتباطا بالصيرورة الاجتماعية ،وإبعادها السيولوجية إيحاء وأثرا ... إذا .. فلتكن الكلمة التأبينية معبرا لرحلة قد تدوم ما تدوم ، وتجود بما تجود .

 

 

أيها الشيخ الراحل

بسم الله الرحمن الرحيم

       الحمد لله ، والصلاة والسلام على المصطفى ، ما شاء الله كان وما لم يكن ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

     هكذا ... ترجلت أيها الشيخ الشاب الراحل ... هكذا ... زارتك المنون بعد تاريخ طويل ، بعد عطاء كبير، بعد عمر مديد، وسعي حثيث .

    هكذا ... تطوي صفحات زاخرة ، وتفتح صفحات أخرى عنوانها صدقات جارية .

   أيها الشيخ الشاب الراحل ... إذا كان ذلك الشاعر الفارس القديم بكى ألما وحسرة ،لأنه لم يجد من يحضر لحظة رحيله ، فمات وحيدا ... منفردا، فرثى نفسه قائلا :

                         " تذكرت من يبكي علي فلم أجد

                                              سوى السيف والرمح الرديني باكيا

                        وأشقر خنذيذ يجر عنانه إلى الماء

                                                 لم يترك له الدهر ساقيا "

   أما أنت أيها الشيخ الشاب الراحل ... فلله الحمد ... ولله الحمد ...لقد وجدت من يسهر عليك رعاية ،واهتماما ... حين كنت طريح الفراش .

    ووجدت المئات ... والمئات من يمشي وراءك مشيعا .... من الأهل ... من الأقارب .. من الجيران ... من الأصدقاء .

   ووجدت من يصلي عليك دعاء واستغفارا ، أيها الشيخ الشاب الراحل ... إن خنشلة من أقصاها إلى أدناها لجديرة بها ... أن تتأثر برحيلك ، ويحق لها أن تبكيك ، وكيف لا ؟ ألم تكن أحد ركائزها الاقتصادية ؟ والعمرانية ؟ وأحد أعمدتها التجارية ؟

    الم تكن رجل الأعمال بمعنى الكلمة ؟

   ورجل الصفقات التجارية الجادة ؟

   ورجل العمليات التجارية المتنوعة، والمختلفة أم أن كلمات التأبين، ومظاهر التخليد حبس، ووقف على الساسة فقط ؟؟؟

  أيها الشيخ الشاب الراحل ...

 انك ـــــــــ فعلا ـــــــــ لجدير بكل كلمة تقدير ، ووقفه إشادة ، وموقف تخليد .

 رغم شيخوختك لقد كنت :

                           شابا في نشاطك      

                                   شابا في تفكيرك                

                                            شابا في رؤاك

وبتوفيق من الله ــــ تعالى ــــ أيها الشيخ الشاب الراحل ...

  كم من أسرة فضلك عليها كبير .. حيث برعايتك ، وتوجيهاتك طلقوا البطالة ، وتخلصوا من الفقر .

  أيها الشيخ الشاب الراحل ...

  إن رحيلك وراءه ألف معنى .... ومعنى .... فالتأثر بالحدث ، وشدته، و وقعه حال بين التحديد والإطراق ....

ومن تواضع القول ، ومختصرات المعاني ... وبمنطق الاقتصاد الإيماني ... أن يقال لك تقديرا ... وإشادة .

" إنك لما أخرجت الدنيا من قلبك ، ووضعتها في يديك أقبلت عليك فتية سمحاء "

 ولهذا ... فأنت بحق ، وبصدق قدوة، وأسوة، ونموذج لكل كادح ، ومنافح في هذه الحياة .

 شعاره قول الله ـــــ تعالى ـــــــ :" فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله ..."

صدق الله العظيم

أخيرا .... دعاؤنا... ورجاؤنا... أن يرحمنا الله و إياك ، جميعا برحمته الواسعة، إنه سميع مجيب .

  وأن يقيض ...ويوفق من ... أو من أحفادك من يكتب تاريخك ... ويسجل عطاءك ... ليبقى ذكرى ، وعبرة ونبراسا يقتدي به محبوك وأحفادك جيلا بعد جيل .

                         " فسبحان الذي بيديه ملكوت كل شيء وإليه ترجعون "

  الجمعة 13 ذو الحجة  1418ه

          10 افريل 1998م

 

 

  

الرجل و  زوي

    الحديث عن الرجل وزوي قد يبدو عاديا في نظر الآخرين لكن في الحقيقة الأمر فهو أبلغ ، وأعمق من ذلك، ومما يتصور بحكم معطيات اجتماعية، وفكرية لا تقل أثرا، وبعدا،عن سواها في مجالات وميادين أخرى ،وهل صناعة الأحداث، واستقطابها وقفا على الفعل السياسي دونه ؟

     وقفات ، ومواقف بارزة لا يمكن التغاضي عنها ، أحقية التفاعل بكل أبعادها كما تأبى الانتقاء بأي شكل من الأشكال ، ومهما كانت المبررات فهي تأبى كذلك القفز على مجريات الأحداث ، فجدير بمثل هذا القطاع الفعال أن يأخذ نصيبه من الحدث ،من الكلمة ولمدى ارتباطه بمراحل حاسمة محليا ووطنيا ، فالسياق يستدعي وقفات عند محطات تاريخية على الأقل من ناحية المنهجية، كمدخل لمشوار نراه طويلا، بعيدا،ويرانا أقصر،وأقرب منه، وليس من سبيل إلا الانصياع، والمسايرة، فالركام التاريخي والرصيد الاجتماعي كلاهما يفرضان نفسيهما تلقائيا ، وخاصة في مثل هذه الحالات التي تتداخل ، وتتشابك فيها مختلف التفاعلات التقاء واستدراجا،واستجابة للعطاء المهيمن على الفكر في أبسط اهتمام ، ورؤية .

وقفة مع النشاط التجاري

النشاط التجاري وخاصة ما يتعلق بالمواد الغذائية،فعلى مستوى زوي المقر،وغيره من المناطق التابعة له اجتماعيا، وبشريا، فقبل ثورة نوفمبر يبدو أن القبضة الحديدية للعدو، وشراسة عملائه حالت بين جيل القرن االتاسع عشر وبين الإقبال على هذا النشاط بأية صورة من الصور، وهذا عكس جيل فجر القرن العشرين الذي اقبل بقوة على ممارسة هذا النشاط رغم العقبات لعل الوعي المتنامي وراء ذلك وكذا لأهميته الاستراتيجية في التخفيف من حدة المعاناة من خلال التكافل، والاسهام .

ولما اندلعت الثورة التحريرية الكبرى كان النشاط قائما ،يلبي الحاجيات المختلفة لسكان المنطقة، وغيرها فالأيام تذكر ،والتاريخ يشهد، والشهود تحفظ ،وتروي، فخارج زوي القديم وشرقا، وعند موقع عين التراب كانت المحلات،و كان السوق الأسبوعي، إضافة إلى هذا المجمع التجاري الذي اجتثه العدو حرقا، وتدميرا على أثر حادثة معروفة ـــــ لم تعرف النور بعد ـــــــــ حتى الآثار اندثرت واختفت.

نعم .... إضافة إلى ذلك فقد تربعت محلات تجارية وراء الواد ذات بناية متواضعة جدرانا، وسقفا، ومع بداية الاستقلال واصل من واصل، وتوقف من توقف، وغاب  من غاب، وخاصة في ميدان المواد الغذائية .

وابرز من بقي :













محمد بن معروف سعيدي
1903 م 1978 م
رحل وفي نفسه أشياء
أحتسب أمرها لمن بيده
الأمر كله.


    محمد بن معروف سعيدي ظل وفيا لمهنته طوال رحلته معها والتي دامت قرابة أربعة عقود ونصف،إلى جانب ذلك كان يمارس الغرس والفلاحة في ذلك البستان ذي الهكتار المربع والذي شهد ما شهد من خيرات ، وأيام ، ولقاءات ، وأحداث . " علي دخان " ، " محمد بوسالم " المعروف بـ : "محمد أكيا " كانت بينهم أيام كلها صحبة ، وذكريات عاشوها وتعايشوا بها بساطة،وانبساطا .

 

 لقد رحل كما رحلا بعده، وفي نفسه أشياء وأشياء احتسب أمرها لمن بيده الأمر كله .

 من آثار خطه أثناء ممارسته للنشاط التجاري.









محيو بن رمضان معوش
1910 م ـــــــ1982 م
رمز من رموز
صحراء الميتة

       محيو بن رمضان معوش صرف اهتمامه بها مبكرا، بعد أن تولى أمرها وأعباءها أحد أبنائه، فكانت الصحراء، صحراء الميتة أكثر استهواء له إقامة وانشغالا، واهتماما .

     فقد كانت  بالنسبة إليه، ولأمثاله ــــ وهم كثيرون ما فتئ الزمان يجود بهم ــــ هي الأمل،والمستقبل، والانتماء والماضي كذلك، وسوقها الأسبوعي في أيامه كان سوقا بمعنى الكلمة، حركة ونشاط وتجارة ومقصد وحضور من مختلف المناطق .

    ومن كان يصدق ؟ أن هذه الصورة الجميلة المفعمة بالحيوية والنشاط تتعرض إلى التغيب،والتهميش، والتنكر، لتستبدل بمرور الزمن بصور المقايضة والقفز على الحقائق، و للأسف الشديد فقد صار صيدا مربحا لكل مضارب عابر، ومقيم، ولكن هيهات فالقصاص يمهل ولا يهمل .

   ومن هنا ... والشهادة للحق، وإثارة للذكرى والتذكر يبقى الرجل رمزا من رموز صحراء الميتة تشبثا، وإقامة، وحضورا، وتلك ميزة تكفيه ادخارا وذخرا، أما من جهة أخرى فكما كان يحسن مداعبة مكنه الخياطة بأنامله مثل شقيقه محمد، فان فن الرحبية يكن له ذكريات خالدة.

    ففي منتصف السبعينات وفي مناسبة عرس زفاف لأحد أبناء ساعد بن عيسى سعيدي وعندما كان اليمين ( كابرال) ومحمد الصالح رحمه الله السعوديان يصولان ويجولان غناء وإيقاعا أخذه الموقف، فقام واستخلف أحد الثنائي الآخر، فكانت ليلة أبت إلا أن تحفظ له جزءا من الذكرى جديرة بالتقدير والتذكر لما اتسمت به من تجاوب وغبطة .

    ومن صحراء الميتة جاء الخبر ذات يوم، خبر الرحيل، و الدمع والحسرة .

 





محمد بن عبد الحفيظ معوش
1915 م      1988  م
الجليس الذي لا
تشبع مجالسته

        محمد بن عبد الحفيظ معوش كانت أيامه في رحاب التجارة أياما وأحاديث، إقامة وترحالا،جلسات ولقاءات ... رغم تكفل الابن الأكبر بأعبائها كان دائما حاضرا ، ملازما لها في حلها وترحالها .

    فقد عرف بعذوبة المجالسة،وطرفة الحديث،فقصته مع مراقب الأسعار قصة لا تنسى، وكذا مع من جاءه يسأل عن فخ العصافير .

   العربي بن بوخلوط الصيفي، ومظلته المشهورة، علاقة ورحلة، وأيام راحت وبقي الإيحاء يترقب، الحاج صالح مزيان،مسعود طريكي إخوة،وصداقة، وقيلولة في المحل،وجلسات الصفا والمروة، لا تسل كيف مضت.

    وبين ذا وذا كانت الأيام تخبئ له ابتلاء عسيرا، وامتحانا شديدا، هده هدا، عجل برحيله من هذا الوجود .

   الكل ربما لحظتها تأثر، وتحسر، إلا هو، وكأن كل شيء عنده انتهى .

   إنها قصة ابنته التي رحلت ذات يوم إلى بئر العاتر كربة الأسرة . ولم تمض أيام حتى جاء خبر تلك الفاجعة التي هزت الأهل، والأقارب، والأصدقاء.

  ففي مستشفى تبسة نزلت طريحة الفراش، وبجانبها والدتها، وما بقي من نبض الحياة في جسدها غير جفون عينيها، كانت تحركهما عينا بعد عين لترد على الزائرين، والزائرات،بل أبلغ من ذلك كانت حركات تلك الرموش رسالة، بل قل قصة ؟ قصة تلك الصبية التي طالما لعبت، وركضت حرة طليقة بجانب تلك الساقية العليا المحاذية لبيت عمها، وتارة تداعب الماء المترقرق بأناملها، وتارة تعبئ حفنتها وترش بها إحدى رفيقاتها ثم ينطلقن في الجري مصحوبا بضحكات بريئة براءة تلك المرحلة .

    ولم تكن تملك من الأحلام إلا ما كان يصل إليه امتداد بصرها .

    لقد غابت كما غابت تلك الساقية إلى الأبد . 









أحمد بن محمد الصالح البح
1940 مــ ــــ 1987 م
التاجر البشوش المسالم



    أحمد بن محمد الصالح البح، هذا الإنسان التاجر، البشوش، المسالم، كانت أمانيه وأماله أكبر من أيامه، ومن الواقع، والزمن .

   امتحان الحياة كان عليه شديدا، فسخاء الرجل،وامتداد يده بلا حدود كان وراء الهزات المالية التي كدرت صفوه،وغيرت ملامحه،وأثقلت كاهله .

   بعد كل هذه المدة لا زالت تلك الالتفاتة تشدني إلى الرجل شدا، وتدفعني إلى رحاب الذكرى،والتذكر، وتبقى الكلمات غير قادرة على تحمل أجيج الحنين .

   نعم ... حدث أن والدي رفض ذات مرة أن يمنحني الأدوات المدرسية، وبالضبط لم أتذكر سبب رفضه، وعلى ما أذكر في منتصف الستينات أو بعدها بقليل، وحين عرف جدي بوزيان أخذني ودخل على الرجل في محله، رغم أن هناك محلات أخرى بجانب محل أبي، وحين علم بالأمر ابتسم، وشدني من يدي، وتوجه بي إلى مكان الأدوات المدرسية و الابتسامة لا تفارق وجهه وهو يقول " خذ ما شئت بشرط دون مقابل منك أو من جدك بوزيان وحتى من أبيك " .

    هذا هو الرجل الذي يستحق الكثير والكثير ذكرى ... وغيرها، ألم نقل أن آماله وأمانيه أكبر من زمانه .

   لقد أحس بالرحيل من هذا الوجود حين ترحلت عنه تجارته و أغلق باب محله لآخر مرة ففيه يحق قول المتنبي :

                       " إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا

ألا تفارقهـــــــــــم فالراحلون هـــــــم.

                        شر البلاد مكان لا صديق به

   وشر ما يكسب الإنسان ما يصم".

  التمــــــــوين

   خنشلة قبل الثورة، وأثناء الثورة، وبعد الاستقلال هي الوجهة والمقصد والمصدر في عملية التموين، والتعامل التجاري ،فإلى عهد ليس ببعيد، وقبل القرارات السياسية التي أعطت الأولوية فكرا، وعملا للقطاع العام بحكم مقتضيات تلك المرحلة ...كان سوق المواد الغذائية تجزئة وجملة بين يدي الأشقاء التونسيين المعروفين بــ:"الجرابة"، محمد الهادي " كان علما من أعلامهم في هــذا الميدان تعاملا وسياسة.

    كانت محلاتهم متربعة في الشارع الوطني الممتد إلى مقر الولاية ـــــ حالياــــ  أبرزها ثلاث : إثنان على يسار مقهى الحاج قدور فطيمي، يتوسطهما محل صغير للحلويات التقليدية.

     معذرة.... فمقتضى الكلام يستدعي الوقوف عند هذا الرجل قبل أن يتواصل الحديث ...








الحاج قدور فطيمي
1889 م  1971 م
فقيد المنطقة


الحاج قدور فطيمي هذا الرجل الطويل القامة، الوسيم المحيى، الطلق اللقاء، المتلألئ سخاء وعطاء .

     الرجل في خنشلة كان يمثل زوي بجميع مناطقه المترامية الأطراف، وبكل فئاته و قبائله وأسره، الكل يقصده إذا ما حل بخنشلة، ولا يشعر المرء بنكهة السفر إلا إذا تناول كاس شاي، أو فنجان قهوة في مقهاه، بل أبعد من ذلك تراه يقبل عليه مستفسرا ،سائلا عن حال المنطقة، وحال فلان وفلان .

    إن أيامه لا يمكن أن يجري عليها النسيان، كما لا يمكن أن تغيب عن الأذهان صورة سيارات الأجرة لنقل المسافرين، والبضائع عبر خط خنشلة زوي،والتي كانت تصطف،وتقف أمام رصيف المقهى... وبجانبها يقف أصحابها : احمد براهمي، علي زريبة، جموعي اللياني، رمضان دقيش، جموعي، وعمار شراب، ... و.. و...

    محمد بن معروف، محيو بن رمضان، محمد بن عبد الحفيظ، احمد بن محمد الصالح رباعي طالما جمعتهم هذه المقهى مع بعضهم ،أو فرادى مع غيرهم ،والحديث حديث ،وكل واحد يترجى غيره أن يسدد بدلا منه، والحاج يرمقهم والابتسامة لا تفارقه .

   "علي عيساوي" المعروف بوناس ظل وفيا لهذه المقهى... إلى آخر أيامها ،كان يديم السهر فيها ليلا، ولا يغادرها حتى يحين وقت غلق أبوابها، فيخرج إلى سيارته، وينظر يمينا أو يسارا لعله يجد من لم يتمكن من العودة إلى زوي يحمله معه.

   نعم ...الكثير... والكثير من لا يزال يردد تلك المقولة المرتبطة بذلك العهد: " دور ... دور ... ورجع إلى القهوة قدور ... "

   لكن و أسفاه بعد رحيل الحاج قدور، ورحيل ابنه عمار رحل كل شيء، وضاع كل شيء، ومما يزيد النفس ألما،وحسرة حال المكان، فمن شراب مستساع، وعبيق قهوة وشاي يستهويان النفس، ويفرضان على المار أمامهما إلا أن يدخل، ويجلس، ويرتشف، إلى دم يتقاطر، وذباب يحوم، أي ارتكاس هذا؟ وأية انتكاسة حدثت في صيرورة الأحداث ؟

 

حديث متواصل

     مواصلة للحديث....فهناك محل آخر " للجرابة " يقع مقابلا لمقهى " الصباح " التي تقع شرق مقهى الحاج قدور،ولا يفصل بينهما إلا الطريق. موقعا و زاويتين وذات واجهتين... وكان يدير هذه المقهى المرحوم "محمد لخضر ريم " رجل ارتبطت ذكراه بثالوث كان بالنسبة إليه في تلك المرحلة خلاصة اهتمام وتفاعل :

    * نشرة الثامنة على الشاشة الوطنية .

    *فريق المدينة لكرة القدم.

    *جريدة النصر التي لا تفارق يده.

   زيادة إلى تلك المحلات الثلاثة الأكثر استقطابا، وتلبية للطلب كما وكيفا، كانت هناك محلات أخرى اقل درجة للعناصر نفسها، متناثرة في مختلف شوارع المدينة، وأمام التحولات الاقتصادية التي شهدها الوطن بعد ذلك بدأ نشاط الأشقاء التونسيين يتضاءل تدريجيا، نتيجة ظهور الديوان الوطني للتجارة الذي يمثل القطاع العام للدولة حيث ألقى بوزنه، وثقله في الساحة التجارية المتعلقة بالمواد الغذائية، وتمكن من التحكم، والسيطرة في عملية التموين والتوزيع، وخاصة في المناسبات، ناهيك عن بروز المساحات المختلفة بعد ذلك من أروقة وأسواق .

    ورغم طبيعة المرحلة التي كانت جزءا لا يتجزأ عن اقتصاد الموجه.... في توجهاته وأبعاده

    أبت شخصية إلا أن تترك بصماتها في هذا الميدان تعاملا، وتموينا، وجلبا للتجار، وكان محلها يتربع في شارع أو بالمعنى العروف "زقاق سوافه" إنه: "قاسه محشي".

   واستجابة للتذكر والذكرى يقف السياق عند شخصية أخرى تستحق الإشارة والذكر، حضورها كان متواضعا لكن إسهامها كان فعالا، وحيويا ..."علي حمداوي" ... السجل التجاري ودفاتر أيامه، لا يمكن أن ينسى .

   لنعود الآن، بعد هذا المشوار إلى الرجل الذي تركناه ينتظر، ومن حقه أن ينتظر، نظرا لحضوره، وعلاقته بزوي، فتعدد مشاريعه الاقتصادية، واهتماماته التجارية كانت وراء هذا الحضور البارز، والسر كل السر يعود إلى وزنه الاقتصادي في السوق وانعكاساته المعنوية التي ألقت بظلالها على أطراف عدة ليست على مستوى خنشلة أو زوي فقط، فالكل كان يرى فيه نموذج الناجح، والإنسان الكادح... وحنكته تتجلى في طريقة إدارة هذه المشاريع التي كانت في معظمها تتم بطرق غير مباشرة، من خلال وكلائه الذين لازالت الأيام تحفظ، وتشهد لهم بالكثير من الخصال والصفات، فكانوا يحسنون،ويتقنون المعاملة قبل المتاجرة .

    فالمرحوم "عبد الله كليل " واحد من هؤلاء، فقد كان أكثر من وكيل، وأكثر من أمين مؤتمن،يكفيه ذكرى، وتذكر تلك اللفتة التي يأبى السياق إلا أن يذرها كما هي ذخرا وادخارا له في الدارالأخرى.

    أما صورته لا زالت عالقة بالموقعين، المحل الأول الواقع غربا بجانب مقر بلدية خنشلة أما الثاني الذي انتقل إليه بعد ذلك يقع في شارع بلعيد حوح، وجهته شرقية والذي آل إلى أحد أبناء الحاج إرثا، وتطويرا حسب مقتضى السوق عرضا وطلبا .

   لقد رحل الرجل... كما رحل العديد والعديد ممن كانت لهم علاقة بارزة بهذا الميدان.  كما غابت معهم تلك المقولة التي طالما جرت على ألسنتهم " أمانة بلعباس". 






العقيد محمد جلالي
1941 م ــــــ 2002 م
في الظل ولد
وعاش ورحل

    في الظل ولد وعاش ورحل، بهذه اللفتة، وبهذه الكلمات، كان الإيحاء و الأثر، وكان التفاعل والاستجابة، وكان اللقاء والحضور، ومن حق الكلمة أن تقف عنده وقفة عبرة وعبرة لا لذاته، ولا لتاريخه فحسب، وإنما بحكم انتمائه إلى هذا الجيل الذي يكفيه فخر واعتزاز أنه قدم ،وأعطى أكثر مما أخذ.

    رجل أبلغ ما يقال عنه أنه ولد في الظل، وعاش في الظل، ورحل في الظل بعيدا عن الأضواء، بعيدا عن الرسميات.... هكذا عرف، وهكذا يروي،ويتداول عنه .

    فحسبه هذه الكلمة المتواضعة التي أعرضت عنها الصحافة لحظتها، كما أعرضت عن حادث رحيله، ولها العذر في ذلك، فهي في أغلب الأحيان مولعة بما لا علاقة له بالظل.

  "وا بليداه ... ماذا يقال ؟ و ماذا سيقال ؟ فبرحيل محمد صرت جزءا من خنشلة، وخنشلة جزء منك.... فالجرح هو الجرح.... والدمع هو الدمع.... والفراق هو الفراق.... ولن يسمع إلا ما يرضي رب العالمين .

   لقد رحل من غير وداع.... أو توديع والكل تمنى أن يحضر... أن يتبعه راجلا.... أن يشهد....ويلقي عليه النظرة الأخيرة.... رغم البعد.... رغم المسافات..... رغم عقبات الطريق .

   جاء مودعا الأهل.... والأقارب.... والأصدقاء.... ذات يوم.... سافر طلبا للاستشفاء.... وفجأة.... يأتي الخبر .

البليدة تهتز.... وخنشلة تهتز..... ويحق لها أن تهتز.... وكيف لا ؟ وأحد فلذات كبدها يودع الدنيا في بلجيكا.... دون أن يودعك يا بليداه.... ليزداد لهفة على لهفة، ويترك حرقة على حرقة .

  من لا يعرفه... تكفيه هذه الوقفات.... هذه الكلمات.... فهو عقيد في صلة الرحم قبل أن يكون عقيدا في الجيش .

   والدته لا زالت على قيد الحياة.... ووالده كذلك.... فهو لا يفوقه سنا بكثير... ربما عقدين لا أكثر.... أو أكثر بقليل.... فهو يراه أبا أكثر مما يراه إبنا ليس بالنسبة لأهله.... وإخوته.... وإنما حتى بالنسبة إليه.... حديثه العادي عنه.... أو غير العادي.... يجسد هذا لإحساس.... لعل ما بينهما أعمق... وأبلغ من ذلك... فكلاهما صعدا إلى الجبل، وأطلقا الرصاص على العدو.... وعاشا الثورة.... والجهاد لحظة..... لحظة، وحادثة..... حادثة .

   وشاء القدر أن يعيش الاستقلال.... وما بعده، ويشاء القدر... أن يرحل والجزائر تعيش ذكرى من ذكريات تاريخها المجيد.... وكأن القدر كذلك اختار له هذا التاريخ بالضبط.... ليتعانق الحاضر بكل آماله مع الماضي المجيد، وليزداد علما على معلم.

   إن أثر فقدانه على إخوته لشديد، وعلى أهله، وعلى الوالدين لأشد، فرحمتك يا رب.....فرحمتك يا رب .

   إما عقيد في الجيش....و متقاعد بعد ذلك.... فالكلمة تتوجه الى رفقائه.... وعبر مراحل مختلفة أثناء الثورة، داخل الثكنة.... وخارجها..... أن يكتبوا.... أن يعبروا.... أن يقولوا شيئا عنه فهو جدير بكل كلمة.... لكل وقفة.... لكل لفتة.... لكل ذكرى ....

   أما أنت ...يا بليداه.... فقد اختار الإقامة... والعيش بينك.... وفضلك عما سواك.... وقدر له أن يطبق جفنيه.... في بلجيكا.... ويحتضنه ثراك مثوى له.... بعد وصية أوصى بها ...فكوني كما كان لك.... أخا.... وصديقا..... وصاحبا.... ومواطنا.... نوفمبريا..... أوتيا.



 

عن المسجد العتيق
 غابــــــــــــــــــــــــــــوا......

 إنهـــــــــــــــــــم ثلاثة


      هكذا يستجيب السياق لوقفة مميزة، وكأنها اختارت الموعد المناسب لتلقى بظلالها وبكل ما تحمله من إيحاءات، ودلالات وتداعيات لا تسعها الكلمات، ولا ما ينتقي من المعاني والعبارات .

    لقد غابوا عن المنطقة دون التفاتة، أو وقفة تليق بهم كما تليق بتلك المرحلة الناصعة في تاريخ المنطقة .

    كما ارتبطت ذكراهم بالمسجد العتيق، ارتبطت أيامهم به أيضا.... أيام كانت للقرآن بصفة عامة، ولرمضان بصفة خاصة، فمنها تكون الرحلة، وتكون الوقفات التي تستحق الكثير، والكثير إشارة وتنويها، ذكرى وتذكيرا.

    إنهم ثلاثة : الإمام أحمد النوي ،الشيخ البشير السوفي( من واد سوف)، الشيخ البشير بوحزام

الحديث عن المسجد العتيق في أيام عطائهم، وحضورهم البارز فيه إرشادا، وتوجيها، وعمارة حديث شيق شوق المرء لكل من صلوا فيه، ورحلوا .

  كان الجامع لرواده من أبناء المنطقة سواء على مستوى الصلوات الخمسة أو الجمعة أو التراويح، أو الأعياد باعتباره الوحيد حينذاك حتى قبل أن يعرف التوسيع في رحابه، بل أبعد من ذلك فهو الوارث التاريخي للمسجد القديم مكانا، وموقعا ...

   وقد يطول الحديث في ذلك تاريخا، وتأريخا، لكن يكفي إشارة وتنويها، دلالة وتذكيرا، أنه المحتضن الفعلي لتلك المرحلة، مرحلة الإيمان والإقبال على حياة الهدى، مرحلة أعادت الثقة للأمة بانتمائها الحضاري، وحطمت خرافة الرجل الأبيض، رغم كل العوائق والعقبات وقلة البضاعة ....

    ومن أبرز المظاهر التي لا يمكن أن تنسى، أو تغيب عن الذاكرة تجربة الاعتكاف رغم حجم المسجد وقلة المرافق، ومن قاموا بها لسنة كادت أن تندثر، حدث يستعصى تكراره بذلك الإحساس والتفاعل .. حتى الشيخ بلخير عاشور ــــ أدام الله عمره ـــــ  لم يمنعه سنه فأبى إلا أن يخوض هذه التجربة . وكما التحمت هذه التجربة بالمسجد فهناك ذكرى عزيزة ومؤلمة في الوقت نفسه، أكثر التصاقا به.... ذكرى تلميذ نجيب .....إنه :




بلقاسم سعداوي بن عماره
بن مصباح
مرت حادثة رحيله لكنها ارتبطت
بمعاناة تلامذة المتوسطة حينذاك

تلميذ يزاول دراسته في متوسطة" مباركي محمد الصالح" ــــ المحمل ـــــ كان يتقد حيوية ونشاطا، محبا للعلم والمعرفة ،شغوفا باقتناء الكتب،مواظب على الصلاة وحلقات الدرس، تراه يقلد الأكبر سنا من إخوانه في التحية ،و الإحتضان حين يلقي أترابه.

    آخر عهد له مع حلقات الدرس والمسجد كان ذلك في عصر جمعة ما قبل يوم الحادث حيث تكفل بإعداد درس في السيرة النبوية الشريفة ليقدمه لأترابه من المترددين على المسجد، وداخل مكتبة المسجد وفي تلك الحلقة ألقي الموضوع شفويا دون الاعتماد على الورقة والذي تمحور حول وفاة عم الرسول صلى الله عليه سلم وزجته خديجة ـــ رضي الله عنهاـــــ متبوعا بالعبر المستخلصة ومعتمدا في ذلك على مرجعين "نور اليقين" و"فقه السيرة" .

   وفي صبيحة يوم السبت شهد صلاة الصبح جماعة، وكالعادة خرج إلى الطريق ليلتحق بالمتوسطة .

   وما إن بدأت أشعة الشمس تتسلل خلف الضباب المنسحب حتى اهتزت أرجاء القرية على وقع الحدث المفجع بين باك ومفجع، ومتحسر، ومترحم، حادث مرور أودى بحياته، وبغيره .

    ومرت الحادثة لكنها ارتبطت ذكراها بمعاناة تلامذة المرحلة المتوسطة حينذاك، أما الإناث منهم فذاك التاريخ ،وسجل يحفلان بكل ما يثلج الصدر، ويسر العين، بل عذرا ما يدمي القلب، ويثير المواجع والحسرات، بل أبعد من ذلك، وأعمق، والكلمة للتاريخ ومنطق الحق .

   وإن المنطقة ستبقى تحمل في طياتها شكوى التهميش والتغيب والظلم واللاعدل في الحقوق المختلفة الذي تعرضت ولا زالت تتعرض إليه سواء من أبنائها أنفسهم أو من غيرها من أصحاب النفوذ والقرار .









الإمام أحمد النوي
1903 م ـــــ  2001 م
صوت المنبر يكفيه
ذكرى ويغنيه تاريخا


      قدره كان كذلك، مسؤولية وما أدراك من مسؤولية، صوت المنبر.... يكفيه ذكرى ويغنيه تاريخا خطواته المتكرر جمعة.... وأعيادا واستسقاء.... صعودا ونزولا على ،ومن المنبر .... تأسيا واقتداء بالمصطفى ـــــ صلى الله عليه وسلم ــــ.

   تعامل مع تلك المرحلة، مرحلة الإقبال على حياة الإيمان، والعودة إلى معالم الهدى، بشكل يلفت الانتباه ويستدعي الغوص في ثناياها تتبعا .....و انتقاء.

  ومقارنة مع أمثاله، ومع المحيط، فالبون شاسع، فقلبه وهواه، كانا مع المرحلة رغم ضغط الوصاية، وتنكر المحيط، وتطاول الخراطيم ... فما صدر منه ما يوحي باستجابة، أو رضوخ حتى أدنى تعليق بطريقة أو أخرى لم يحدث، فما تضمنته بعض الخطب لا تحسب عليه فهي تأتي جاهزة، مسايرة للتوجه السائد حينذاك.

    الهدوء... الثبات.... الرزانة.... الصمت، صفات غالبة عليه، لو لا الخطب والدروس المناسباتية لما سمع له صوت، وكأنه بذلك يقتفي أثر الرعيل الأول، والسلف الصالح :" صمتهم فكرا، ونطقهم ذكرا ".

    لقد تقدمت به الأيام .... وابتعد عن المنبر وتثاقلت عليه الحياة، وما كان يحز في نفسه فراق الصحاب والأتراب و رحيلهم وظلت ملامحه تعكس قول القائل :" لقد ذهب الذين كانوا يعاشوا في اكنا فهم وبقيت في خلف كجلد الأجرب "

    ومما ألم به، وزاده عناء على عناء، وحسرة على حسرة الرحيل المفاجئ للابن الوحيد ... فانطوى على ذاته، وانصرف إلى أعماقه يرمق الآخرة برجاء وتضرع إلى آخر لحظة الرحيل ... والوداع .

    فرحمة الله عليك أيها الإمام سائلين المولى عز وجل ـــــــ أن يجمعك ويجمع جميع المؤمنين في مستقر رحمته .





الشيخ البشير السوفي من واد سوف :
فقيد كرسي الإرشاد
والوعظ للمسجد العتيق

    شيخ متوسط القامة، مشرق المطلع، جوهري الصوت، حامل للقرآن الكريم، حافظ للمتون الفقهية، حاضر البديهة، تردده على زوي في رمضان وغيره يجسد ويعكس العلاقة الحميمة التي بينه وبين المنطقة وبينه وبين كرسي الإرشاد والوعظ بالمسجد العتيق .

     رغم طبيعة تلك المرحلة كان حاضرا بقوة من خلال ما يقدمه من دروس متنوعة بغض النظر عن بعض المضايقات التي كان يتعرض إليها، والتي تعتبر هفوة من هفوات الارتجال في التعامل الناتج عن عوامل ذاتية وأخرى موضوعية .

    وللحقيقة تقال، شتان بين تلقائيته في الحضور وعفويته في الإطراق والاستقطاب وبين جهد الوصايا التي استنفرت ذات يوم أحد رجالات جمعية العلماء التاريخيين الذي جيء به إلى المسجد في عصر أحد رمضان ذلك العهد ،فقدم درسا في التوبة مستندا في ذلك على الآيات القرآنية، والاحاديث النبوية الشريفة، والشواهد التاريخية، لا أحد ينكر أو يتجاهل أن التوبة النصوحة هي مفتاح الجنة أولا وأخيرا .

    لكن أن يكون الأمر مقتصرا على المسجد ورواده دون الاهتمام، بالقطاعات الأخرى، أمر يعكس حيرة ذلك العهد ،لأن تلك القطاعات ظلت ثغر التسلل رياح الهدم،ومعاول التقويض، وأن يؤخذ بهذه الرؤية ممن كان في حوزتهم إمكانيات مؤهلة للارتقاء بهذا المجال ارتقاء يليق به احتضانا، وتوجيها ورعاية لتفادي ما يؤدي بالأمة إلى الوقوع فيه .

      لقد عان الشيخ من مثل هذه!؟ الأوضاع، كما عان من التهميش،والإعراض عنه وكان بالأحرى أن تستغل، وتوظف، وتوجه كل الجهود، والقدرات إلى سبيل واحد كي يكتمل البنيان، وتتحقق الآمال المنشودة .

      البراءة يصعب أن تستثنى أحدا، مما دق وظهر . 

     ففي كل صيف من سنوات تلك المرحلة كانت مناسبات حفل الزفاف فرصا توظف للدعوة والتوعية، وعرض البدائل الإسلامية من خلال الاجتهاد في ميدان المسرح والأنشودة والكلمة الهادفة .

     وفي إحدى تلك المناسبات كان الحفل قائما والصيف صيف، والجو معتدل، وأحد الأخوة مسترسل في إلقاء الكلمة، وإذا بالشيخ يقترب من الجمع ثم يجلس على مقربة منه وفوق حجرة، مسندا ظهره إلى جدار منزل من منازل ذلك الشارع، فينتبه الأخ إلى حضوره، فيحييه عبر الكلمة، وإذا بإحساس يستولي على النفس، ويشد العقل إليه، وربما خامر العديد الإحساس نفسه" ماذا في ذلك لو يشرك، وتعطى إليه الكلمة ".

    لقد ذهبت تلك الليلة بما لها، وبما عليها، وغاب الشيخ على المنطقة غيابا أبديا، وظل ذلك الإحساس طوال هذه المدة يبرز تارة، ويختفي أخرى، ويغيب طويلا، ويعود قليلا حتى جاءت لحظة الإيحاء، والتداعي والاكتمال، فكانت هذه السطور، وكانت هذه الكلمات .

   فسلام عليك أيها الشيخ الكريم عن كل لحظة قضيتها بين أحضان المنطقة، سلاما يليق بذكراك وفاءا وتقديرا .











الشيخ البشير بوحزام
1933 م   2002 م
نعم الثواء
ونعم الجوار

     هو رجل من الرجال، طويل القامة، معتدل الهيئة، أناقة ورشاقة تلازمانه في حله وترحاله، خلاصة وجوده أنه قد فطر على القرآن الكريم، جعل حياته كلها وقفا عليه قراءة وحفظا، صلاة وتلاوة، قياما وتهجدا، تعليما ودعوة، ولم يكن هذا النهج مقتصرا عليه فقط وإنما أخذ أهله عليه أخذا حاسما دون هوادة أو تهاون أو تقصيررغم العوائق، والمثبطات،والمشاق .

   فعلاقة المجتمع بالقرآن علاقة خير وأبلغ من يجسدها حقيقة وفعلا القرآن نفسه على لسان الرسول محمد ـــ صلى الله عليه وسلم ـــــ : " وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا "   الفرقان 30

  وربما هذه الآية هي المشروع الأول والأخير في حياة الشيخ، وبقدر ما كانت الموضوع الأول بناء على ايحاء الاستقراء بقدر ما كانت ابتلاء وامتحانا لا تعادهما ابتلاءات وامتحانات معهودة، ومن أجل ذلك ثبت الشيخ وصمد، صبر وصابر ورابط.....

   ولله الحمد أولا وأخيرا... فقد أثمر الجهد، وكلل السهر، وتحققت صفوة الأماني والآمال، وتأكد صدقا وواقعا تحقق الصدقات الجارية بمشيئة الله ــــ تعالى ــــ .

   إضافة إلى القرآن الكريم فاثنين من خلفته يتربعان على منبر مسجدي زوي تربع  جدارة،وكفاءة، وتواصل وعلى لسانيهما قوله تعالى :" رب اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب ". صدق الله العظيم

   ولله الحمد أولا وأخيرا مرة أخرى فأثر ظلال الرجل ــــ تواضعاـــــ يصعب الإحاطة به ... هنا .... وهناك ... وفي مواقف شتى، ومواقع متعددة .

  هاهي المخيلة ترمقه وهو يمشي على رصيف الطريق الوطني المحاذي لمدرستي بوسالم و بوشارب ..

  نعم يسير بخطى مقتصدة كأنه شاب في هيئة شيخ، وشيخ في هيئة شاب عليه بدلة عصرية ورداء حجازي

 وعصا خفيفة، يلقي التحية ويردها بأحسن منها.

   أما في المسجد العتيق ... وعند محرابه، لا تسل فصورته لا تغادر أذهان المترددين على هذا المسجد خاصة في شهر رمضان، حيث ظل لأعوام يضطلع بصلاة التراويح ... أما الصلوات الخمسة فأكثرها عالقة بالأذهان صلاة المغرب التي طالما أم فيها المصلين في غياب المعنيين، ومما كان  يواظب على قراءته في الركعة الثانية كان من أواخر سورة سبأ :" قل إن ربي يقذف بالحق... "

  أما علاقته بالبقاع المقدسة فذاك حديث من نوع آخر يتطلب إلى وقفات بتعداد الرحلات، فالحنين

 إليها كان يتجدد كلما حل موسم الحج، فتراه يشد الرحال، فلا يسمع به حتى يقال أنه هناك .

 ولعل هذا الحنين، وهذا التردد المتكرر ينطوي على ذلك السر الذي طالما أفضى به في شكل دعابة مع غيره :" أن مثواه  سيكون هناك في البقيع إن شاء الله "

  الكل تذكرها ورددها وذكر بها حين جاء الخبر في صبيحة ذلك اليوم، من قال فالسر عنده ترعرع ونما، وكبر إلى أن تحول إلى رجاء أوقف عليه سنوات وسنوات تضرعا وخفية بخالص الدعوات وأفضل القربات .

     نعم ...لقد ثوى هناك ليجاور المصطف ىـــ عليه السلام ــــ ويجاور الرعيل الأول ـــــ رضوان الله عليهم ــــــ فنعم الثواء، ونعم الجوار، فسلام عليه في الأولى وسلام عليه في الأخرى .








المدير محمود مناصرية
1951 م  1996م
عزاء المنطقة فيه
ذكرى ودعاء

    شخصية جاد بها المقام لتتبوأ مع هؤلاء الرجال مكانة تليق بهم ذكرى، وتاريخا رغم أنه مهما قيل عنهم ويقال يبقى وسيبقى مجرد وقفات متواضعة ذات أبعاد إنسانية أكثر من سواها بحكم النسق الاجتماعي المحرك للعلاقات أثرا وتأثرا.

       ومن هنا ... فذكراه ارتبطت أكثر ما ارتبطت بوقفات ثلاث : مهنية، اجتماعية وسياسية .

      مهنية : ظل لسنين يضطلع بمهام إدارة دار المعلم بحمام الصالحين ـــ خنشلة ـــ والتي كثيرا ما جرت عليه متاعب شتى نظرا لما كان يحاك في الخفاء قصد زحزحته وإزالته بغض الطرف عن كل خلفية سواء كانت موضوعية أو غير ذلك .

  وما التوازن المهني للمنطقة الذي جسده في موقع عمله إلا دليل على وزنه ومدى اهتمامه بذلك احتكاكا وتمريرا وحضورا وبلباقة وفطنة .

  اجتماعية: حضور في المسرات والملمات ... على مستوى المنطقة أو غيرها، ركيزة من ركائز المنطقةــــ إن لم تكن الوحيدةـــــ في الكواليس ... المعطيات الواقعية أجبرته على ذلك ... بشتى الأشكال والطرق .

   فمزاحمة الأنداد في المواقف المشرفة من شيم الرجال.

   في البداية التسعينات حين طرح ملف صحراء أولاد رشاش للدراسة والحسم من خلال تلك الجلسات الماراطونية والتي جمعت بين الأطراف الثلاثة : بابار، المحمل ،زوي برعاية الدولة والإدارة وبإشراك الجميع : أعيان، مجالس منتخبة محلية وولائية.

  كان الرجل مواظبا على الحضور إسهاما وتشجيعا وتدعيما إلى آخر لحظة صياغة تلك الأرضية التي تم الاتفاق عليها بالإجماع وللأسف الشديد ... فقد أسدل عليها الستار صرفا للأنظار تجاهلا لتطلعات متجذرة في أعماق المنطقة، واستبدلت بمتاهات لا أول لها ولا آخر .

  سياسية : رحيله ترك فراغا كبيرا ،وثغرا عميقة في كيان الفعل السياسي على مستوى المنطقة رغم انه في كل المراحل لا ناقة له ينشدها ولا جمل وراء ذلك.

   ديناميكية توازنات التمثيل محليا وولائيا ووطنيا في صياغة الموافق، واتخاذ القرارات الحاسمة في اللحظات المناسبة تكاد تكون من ابرز ما يشهد له بذلك في هذا الميدان بعيدا عن الخلفية الثقافية استنادا ورؤية .

  لكن ماذا يفعل المرء إذا كان الرحيل أكبر من الدنيا وما فيها، فعزاء المنطقة فيه ذكرى ودعاء .



هكذا بدأت ..............

تلك رحلة ... هكذا بدأت ... وهكذا توقفت ... وقد تشابكت فيها عناصر مختلفة..... بشكل لم ترسم ملامحها رسميا مسبقا ... و إنما جاءت .. و ظهرت عن طواعية دون خلفية ... أو إجهاد ... .ولعل بعضها –أي العناصر – قد تحتاج إلى أكثر من وقفة..... إلا أن الإشارة.... والتلميح.... واختيار محطات ذات حضور بارز.... تغني عن كل ذلك ..

وهنا ... يكمن التشويق.... والإثارة.... رغم إن كل واحد من هؤلاء الرجال..... يحتاج إلى رحلة قد تدوم ما تدوم.... ويرصد فيها كل صغيرة..... وكبيرة ...

وبين ذا وذاك حسبها – الرحلة – أنها عاشت معهم لحظات ... وقفات لا تقدر...... لا بمال..... ولا بجاه... ولا بسلطان .....


وأخيرا


وأخيرا ... أيها الرجال.... إن أجيج الحنين .....إليكم لشديد على النفس... مهما حاولت أو تحاول..... الإعراض أو التملص ....

  ويبقى خالص الدعوات هو السبيل الوحيد للوصال ....

فالله نسأل لنا ولكم الرحمة والمغفرة وإنه مجيب سميع الدعاء... 

آمين يا رب العالمين


شكر وتقدير

     إن من حق هذا العمل المتواضع أن يهتبلها فرصة ليسدي من خلالها ابلغ معاني الشكر والثناء والتقدير والتنويه للجهد الذي بذله طاقم مكتبة الأوراس وخاصة صاحبها:محمد توفيق عيادي وساعده الأيمن : ن .شريط من اجل بلوغ منتهاه.

   فقد اخذ من وقتهم الكثير والكثير كتابة ومراجعة وتنظيما وتصميما واخراجا.

  وإنها للفتة تستحق أكثر من هذا .   


عرفان وشكر وإشادة 

العمل كله عرفان وإشادة لكل من ساهم في إخراج الصورة بهذه الصورة 

عبد المالك عباس 

الكتابة : منصر سعيدي

الخط الإخراج ... الغلاف والتصميم من انجاز : القاعة متعددة النشاطات أولاد رشاش زوي طاقم الانجاز : هشام نوي

تحت الرعاية الشخصية للسيد جموعي مسعي

ط1 س ق.م.ن.ا.ز

ليست هناك تعليقات: