الإهــــــداء
إلى الطفلــــــة الشهيــــــــدة
أم هانــــــــــي
إلى الوالديـــــن الراحليـــــــن
الهامل سعيـــــــــــدي
و
نوة عزيـــــــــــــــزي
يهدى لكمــــــا هذا الانجــــــــــــــاز
حتى الطفلة (فلاقة)
الهامل
بن سعيد سعيدي ، شيخ تقدم به السن كله ذخر وبركة ،آخر من بقي من جيل فجر القرن
العشرين على مستوى قبيلة " سعيــــــدي " أولاد علـــــي .
الرجل
ظلم ثورة ، وتاريخا ، كغيره و غيره مــن الكثيرين ، عيناه فتحتا علـــى عالم جعلـه
العدو وسطــــــا لا يطاق ، جهل ، فقر ، مرض ، عناء ، عناء لا أول له ولا آخر لسد
الرمق .
لعل
الإمكانيات التـــي أتيحت لسواه كانـــــت أوفر حظا ، ورعايـــة فما حيلتــــه
إزاء ذلك ؟ قراءة تستدعــــي قراءات ، وقراءات معمقــــة فـــي أغوار كينونـــة
أمثالـــه فــي تلك الحقبة الزمنيـــة . ألم يكــــن التشبـــــث بالذات ، بالهوية
، بالأرض ، بالضرع ، بالسنبلة ، عنوان شبابه ،وحياة الأغلبية الساحقــــــة ؟
أليست
تلك هي الأهداف العليا ،والمبادئ الأساسية للمنطلقات الفكرية ،و الأدبية لمرحلتي
الثورة والتنمية ،في أوج التفاعل و العطاء ؟
فكيف
يجازون بمعيار التهميش ، والتغيب والانتقاء؟
كانوا
سندا ،ووقودا للثورة في أيامها العصبية ،فصاروا حطامها ، وبقاياها في أيامها ؟
بعيدا عن أي تعليل أو استناد ، التاريخ يقول : انه استهدف من العدو الفرنسي ، كم
من مرة ،بحكم موقع بيته القائم فـــــــي مستهل السفح الممتد إلى جبال الطباقة ،
عمليات التمشيط و المواجهة ،لا تتوقف ليل نهـــر ، حيثيات تلك الحادثـــــة
المفجعة لا زالت قابعة في مخيلته ، لا تغادرها كلما تذكرها وتذكر فقيدته يكاد
فؤاده يتفطر مـــن شدة الألم ، و الحسرة أنها الحادثة ،ليلة صيفية من سنة 1957 م
الثورة في أوج قوتها ، محـــــاولات الاختراق والاستدراج تبوء بالفشل كل مرة النور
، التحرك،ممنـــوع ، محرم ، بعد الساعة الثامنـــــة ، قانــــــون لصاص – الزرع
المحصود أكوام مكدسة في ساحات الدرس ، الحراسة ، أو المبيت بجانبه أمر لا يمكن
تطاول العدو لا يطـــاق.
آوى
كغيره إلى الفراش ، الكل في اشتياق للنهار ، حجرة واحدة لجميع أفراد الأسرة ، يحيط
بها سوء أحجـــار مصففة ، نسمات خفيفة باردة تتسلسل عبر ثقوب ، فتخفف من اثر
الحرارة ، وتغري النائم في الاستغراق في النـــــوم .
وفي
الخارج أجواء الصمت ، و الركون يخيمان ، لكن في الطريق دوريتان ، كالمعتاد ، كل
واحدة تتحرك فـــي اتجاه ، و مجاهد يمـــر بجانب البيت متوجها إلى و جهته ، بعد أن
رجع عائــــدا من زيارة أهلــــه ، تلمحــــــه الدوريــــة ، تأمره مــــن بعيد
للوقوف ، فلا ينصاع لها فيقبــل بعض أفرادها بسرعــــــة ، ودون حـــــــــذر أو
انتبـــاه ، يسقطون فـــــي أسفل الداموس المحاذي للبيت شرقا ، لما وطأت أقدامهم
سقفة الهش و كان ذلك من حسن حظ المجاهد الذي تمكن من التسلسل و الخروج من الموقع ،
فحدث ما حدث ، ووقع ما وقـــــع .
رصاص
يتكلم ،أصوات ، حركة حول البيت في الخارج ، ينتفض من مكانه ، فتتبعه زوجته ، وبين
ذراعيهـــــا طفلة ، ذعر أذهل الجميع ، وبلا إحساس يمد يده ، يفتــــح الباب قليلا
، وبرفــــق ، وإذا بالرصاص يختــــــرق ذراعه ، ويصل إلى الطفلة ، فتهتز أرجاء
الحجرة من شدة صراخها ، أحد أفراد الدورية برتبة رقيب ، والـــذي فتح عليه النار ،
يقف أمام الباب صائحا ، شاتما ، اخــــــــــرج
...اخــــــــــــــرج...يابــــــــن..
يخرج
الهامــــل ، وهو يضم بيده اليد المصابـــة إلى صدره ، يقاوم الإصابـــة ، ويغالب
الألم . يقبل المـــــلازم الأول ، قائد الدوريــــــــــة .
ماذا حــــــدث ؟
الرقيب
: أطلقت الرصاص على الفلاقـــــة
الهامل
: (وبامتعاض شديد) أطلقت الرصاص على الفلاقــــة ، إذا حتى الطفلة فلاقــــــــة
يفهم
قائد الدورية المقصود ،فيحاول احتواء الموقف ،فيأمر أفراده أن يصحبوا معهم الهامل إلى
الثكنة للعلاج وقبـــل أن يتوجهوا ، قاموا باستنطاق بعض الجيران ، قصد الاستفسار ،
والمعرفة ، حول ما جرى ، مـــــــع التأكيد على الالتزام بالتقيد بعدم التحرك ، والتنقل
ليلا .
بات
في الثكنة متروكا ، والألم يمزق أحشاءه ، وفي الغد أرسل إلى خنشلة للعلاج ، لكنه عاد
في اليوم نفسه دون معاينة لأي طبيب ، قدمت له بعض الإسعافات ، وطلب منه أن يأتي كل
يوم لمواصلة العلاج وبينمـــا هو خارج من الثكنة ، عائدا إلى أهله ، إذ سمع صوتا يناديه
، التفت ، فعرفـــــه
- مـــــاذا ؟
- أهلك
لاباس ، الطفلــــة فقط ماتت
أراد
أن يصرخ ، أن يبكـــــي ، لكـــــن .....
الطفلة
فقط ماتت ،قتل طفلة بريئة ، لا تعي ما يحدث حولها ، أمر هين ، ماذا أقـــــــول ؟
- قال
ذلك ، ثم واصل سيــــــــره .
أربعـــــة
عقود ، أو أكثر ، مرت على الحادثـــة التي كتبـــــت لها أن تعرف بصيصا مـــــن الأمل والنور – على الأقل – كمنطلق لعمل أدبي ، قد يتبلور أكثر في يوم ما ،
وصوت يرسل لعلة يجد التفاته تزيــل عنه ما ترسب في ذهنه بعد أن يئس من كل محاولات سابقـــــــــة
.
""
كنا نعتقد أن الثورة ستبحث عنا في كل مكان وزمان ""
زوي 13/03/2001 م
ملاحظـــة : الرسالــــة أرسلت إلى الســــــــــادة
- معالـــي
السيـــــد وزيــــــر المجاهديــــــــــــن
- السيد أمين
المنظمة الوطنيـــة للمجاهديـــــــن
- السيد أمين
قسمة المجاهديــــن أولاد رشــاش
يا أم هانــــــي
هكذا
..يا أم هاني..في ذكرى الخامسة والخمسين من استشهادك بين ذراع والدتك لما اخترقت
رصاصة الغدر ذراع والدك واستقرت فـــي جسدك الطاهر، البرئ فكانت صرخــــة الرحيل
عنوانا للتاريخ عنوانا لحسم معركة الهوية ، عنوانا لتراجيد ستبقـــــــى تنتطر ،
مبين القراءة والترقب تأبى الكلمـــة إلا أن تعتز بأمانــــة الاضطلاع احتضانا
وإسماعا ،إبانة و إيصالا إحساسا وانتماء.
ومما
يحز في الكيان ان يكون جرح الرحيل أهون من جرح النكران ، والأعراض ، ثلاثـــــة
عقود و أكثر و أوراق الحادثة إشهادا و شهودا تقبع بين رفوف النسيان ودرج المهملات
رغم المراسلات المتتابعـــة ...
أتكون
حادثـــــة الاستشهاد زمانا و مكانا وشخوصا و روايـــــة لم ترق إلـــى مستوى
الحدث التاريخـــــي ؟
أما
شهادة الشهود الثلاث من المجاهدين :سعودي محمد الصالح بن يوسف ،بوشارب محمود بن
بلقاسم ، قجوج محيو بن رميلي .غير مؤهلة وثوقا ووثائق أم أنها مفارقـة تعجز
القراءات الاستقرائية الاستنتاجية فـــي حصر اللائمـــــة تبريرا وتعليلا تحديدا
وتحميلا .
وليس
امام الكلمة التاريخية اليوم وغدا وجيلا بعـد جيل إلا أن تدق كل باب ، وترسل صوتها
إلى كل مكان ، واذا اقتضى الأمر ان تقطع البحار لتقايض وتحاجج من أزهق روحك
بغيـــر حق فليكــــــن ذلك ...
فالكلمة
التاريخيــــــــة أقوى من كل سدود وحدود ، وأبقى واخلد من كل عرش وتعاريش.
فهيهات
..هيهات يا ام هاني ان تنسى صرختك الماحقة في سماء ذاك المرتفع الهاملي في تلك
الليلة الأوتية ، وليس بدعا أن يكون الانتقاء التاريخـــــي منوطا بك توقيتا
وظلالا ، فجلاء الحقائق أنصع صورا ،وتعبيرا لما تستثير الحس الفني ،وتدفعه للولوج
والاعتلاء واللفتــه هنا من صميم الإدراك والتفاعل قبل أن تكون منافحــــة عن حق
في الحيــــاة أهدر و حرمان من شهادة مستحقة ، فمجرد تفكير يضن بها ، عنها ،هو
إخلال بجمالية وقدسية الفدا وسر مدينــة
فكيف أن كان الأمر مؤسساتـــي ؟وبأيد وفعل شخوص يحسبون عليها ، والأجيال
يحتضنهــم كمعطى تاريخـــــي قبل كل شئ..أليست مفارقة مرة أخرى...
وبعد
..الى متى سيبقى التاريخ معزولا ، مبعدا عن التاريــــخ ؟ فنوفمبر سيلاحق
الجميـــــــع وسيقتص من الجميع الم يقلها الوالد قبل ان يغادر سماء الدنيا وجرحه
ينزف حسرة وحرقــة "" كنا
نعتقـــــد أن الثورة ستبحث عنا فـــي كل زمـــان ومكـــــان ""
صورة
: 1 لوحة
مستعارة و الدلالة التاريخية قائمة
قصــــة الاستشهـــــــاد
الطفلة
الشهيدة أم هاني سعيدي بنت الهامل بن احمد و نوة عزيزي ، تاريخ الميلاد 1955 م
وتاريخ الاستشهاد 1957 م .
ظهيرة
أولاد علي الواقعة شمال شرق زوي ، وفي بيت الهامل سعيدي الذي يتربع في مرتفع متصل
بسفح ممتد إلى سلسلة الجبال الشرقية ؛
فضلا
عن محاذاته لبيوت الحوامدية التي هي كذلك كانت مسرحا لواقعة تاريخية بارزة في خريف
1959 م .. نعم هو ذا المكان التاريخي للحادثة .
ليلة
أوتيه من سنة 1957م ، دوريتان للمحتل الفرنسي تتحركان كالمعتاد في اتجاهين
متعاكسين ،إحداهما تلمح شخصا (مجاهد عائد من زيارة أهله )يتحرك بجانب بيت الهامل ،
تأمره بالوقوف فلا ينصاع ،يقبل احد أفرادها مسرعا ، شاهرا سلاحه ،ودون اكتراث
للمكان ،وحين مر على سقف هش لداموس محاذ للبيت هوى به إلى أسفله فكانت اللحظة لحظة
العناية الالهية التي مكنت المجاهد من النجاة .
على
اثر هذه الشوشرة والصخب انتفض الهامل من فراشه قائما فتبعته زوجته وبين ذراعها
الطفلة أم هاني التي أصابها الفزع كبقية أفراد الأسرة ، ولما فتح الباب بحذر
اخترقت الرصاصة ذراعه واستقرت في جسد الطفلة ،وبين الذهول وصراخ الطفلة بقي الكل
جامدا في مكانه .
أمام
تلاحق الأحداث أحاطت الدورية بالبيت الذي هو عبارة عن حجرتين جدرانهما من حجر وسقفهما
من خشب وطين ، وفناء مسيج بأحجار مصففة فوق بعضها ، وقد تبين أن الذي أطلق الرصاص
هو العسكري .حسب بعض الروايات .الذي سقط في أسفل الداموس ولشدة غيظه لم يتوقف عن
الشتم والصياح ،ولم يفهم أفراد الأسرة من كلامه إلا كلمة " فلاقة"
ونتيجة الموقف الدامتيكي لم يتمالك الهامل نفسه ،شدة الألم و ذراعه الذي ينزف ،
وصراخ الطفلة الذي يهزارجاء المكان راح
يصرخ في وجه العساكر "حتى الطفلة فلاقة ..حتى الطفلة فلاقة"
ولم
يحتو الموقف إلا حين تدخل قائد الدورية "رقيب" فطلب من أفرادها الانسحاب
فورا وتفاديا لتداعيات الحادثة .
قام
الرقيب باصطحاب الهامل إلى الثكنة للعلاج لكن طبيعة المرحلة التي بلغ فيها العدو
منتهى الحقد ، والبطشية والتصفية الباردة للأرواح جعلت الهامل يبيت في الثكنة
متروكا و الألم يمزق كيانه . في الصباح أرسل إلى خنشلة للعلاج لكنه عاد بعد
الظهيرة دون أن يتلقى أية معاينة طبيب.
اما
الطفلة فقد ودعت الدنيا في تلك الليلة تاركة ورائها تلك الصراخات التي ستبقى والى
الأبد شاهدة على تلك المرحلة وما بعدها ؟.
صورة
: 2 : لوحة مستعارة و الدلالة التاريخية قائمة
رحلــــــة الاعتـــــــراف
إلى
اليوم من سنة 2012 لازال الأهل والأقارب و الجيران وغيرهم من أبناء ظهيرة أولاد
علي بصفة خاصة وأبناء زوي بصفة عامة يسردون ويرون الحادثة بكل تفاصيلها وحيثياتها
.. عمار بن يوسف حامدي من ابرز البارعين في سردها ، والتعليق على من أدار لها ظهر
المجن كما يقول المثل ..
ظل
الوالد بعد الاستقلال في اتصال و إشعار،وتحسيس للأطراف المخولين قانونا ، وتنظيما
، لكن لا احتضان ولا التفاتة ولا توجيه .
مع
بداية الثمانينات تم إعداد ملف مدعم بشهادات شرفية عن قتل العدو والفرنسي للطفلة
أم هاني سعيدي 1957م من قبل ثلاثة مجاهدين
:
1- سعـــــــــودي
محمد الصالح بــــــن يوسف
2- بوشـــــــارب
محمـــــــود بـــــــــن بلقاسم
3- قجــــــــــوج
محيــــــــــو بـــــــــن رميلي
وسلم
الملف للهيئة المعنية آنذاك التي صرحت بعد ذلك أنها حولته إلى تبسة بحكم إقليمية
تلك المرحلة .
طوال
العقدين (1990-2000م)قبل رحيل الوالدين كلما حدث استفسار ، أو استعلام قوبل الأمر
انه قيد الدراسة .قبل رحيل الهامل وبتاريخ 13-03-2001 م توجه بثلاث مراسلات إلى :
- الســــــيد
معالـــــــي وزير المجاهديــــن
- السيــد أمين
المنظمـــة الوطنية للمجاهدين
- السيـد أمين قسمة
المجاهدين أولاد رشاش .زوي.
لكن
لا اثر بذكر عن فحوى هذه المراسلات . بعد رحيله بفترة زمنية قررت أنا احد أقاربه
"العربي سعيدي "أن أواصل مسيرته في التحسيس والتعاطي مع قصة الشهيدة ،
فعثرت على صورة للملف الذي أودعه ذات يوم للهيئة المخولة.
بـــــــراءتك ما شفعــــــــــــت
أيتها
الطفلة الشهيدة براءتك ما شفعت وتشفع الاعتراف بك كشهيدة وثائقيا رحلة مضنية ،شهود
الحال يمكن تخطي هذه العقبة ، أما الحصول على الاستمارة ذات الصفحة المضاعفة
بالأوجه الأربعة هي ضرب من الخيال بحكم المضاربة رغم أن المسالة أساسا تتعلق بالشق
المعنوي التاريخي الثقافي ، لان الشق المادي لم يعد له أثرا بعد رحيل الوالدين...
أنها
لمفارقة سسيولوجية قبل كل شئ يشهد لها
التاريخ حتى قبل أن يعود ..وماذا سيقول غداة الغد لما يستدعي للاحتكام .. وتوصلة
العهود والبنود ،هل محسوم ومحسوب أمرها اليوم للتلقي؟
أم
أن ما وراء الأكمة ما وراءها .تساقط فكر المراحل ."ومعللتي بالوصل والوصل
دونها"لم يعد يقنع حتى مصادرها و الأغرب ان العد التنازلي يضرب بقوة
..والهيئات المخولة الجدار الذي ضرب و يضرب حولها يبدو انه سيستمر هكذا والى الأبد
..لكن براءة الشهيدة ستكون الكلمة الفاصلة بين الأجيال ..بحكم قوة الكلمة والحق
التاريخي.











ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق