ذو الحجة 1429 هـ
ديـسمبـــر 2008 م
إلى الشقيقتين وكــفى
يهـــدى هذا العمــل.
ا. س
شقيقتان وكفى.. و الشقيقتان هما.. إنها ليست مبالغة بيانية، ولا ضربا من خيال الانتماء، بل هي صورة من أروع الصور احتضنها الوجود سموا وارتقاء، مكانا وزمانا، موقعا وإيقاعا، إيحاء وأثرا.. رغم أن الشقيقين الآخرين تحويهما الصورة لقاء والتقاء، تجاذبا وانجذابا، إحساسا وتفاعلا..
وما الصورة التذكارية إلا شاهد حال، ولفتة أيام، عن أوج لحظة الاحتضان الطبيعي لظلال صورة قلما تتكرر بهذا الشكل التي كتب لها أن تكون، وتحدث، وتجري مشاهدها.. وتتواصل وعلى أديم أطهر بقعة، وأنقى مكان، وأعز ثرى، وأندى إيمانا...
لقد ظلت كما هي إلى آخر لحظة من عمر الرحلة، ولم تتأثر بمسلك الشقيقين، فالانسيـاق،
والتجاذب كانا أقوى من ظلهما فكلاهما سارا... وسريا عليهما الانزياح رغم استماتة احدهما في تجاوز العقبات، ومد جسور التلاقي، والترابط، والتواصل ...
تلك ملامح إطلالة ستبقى تبحث عن مختلف أشكال الرصد، والتعبير ليس لمجرد تقييد أو تذكر وإنما للوصول إلى عمق أعماقها، ونبع تدفقها...
مظلتها رحلة العمر، وشهرها هو شهر العمر بلا منازع، أو منافس، نافذتها البارزة، والمطلة، والمستوقفة هي على ظل الشقيقتين بداية ونهاية، أولا و أخيرا، حركة وسكونا، ترددا و ارتيادا، تنقلا و انتقالا، قعودا ونهوضا، استلقاء و استرخاء...
حصة الأسد فيها .. كانت لباب التاسع و الستين وحتى لآخر لحظتها.. الانفراد به، وانفراده بهما، ولوجا و خروجا، وقوفا و قعودا،
موعدا و انتظارا.. يكاد يفرض نفسه فكريا، ونفسيا للوقوف على أبسط عناصر الشد، و الاستمالة..
لندع ذاك لما ستجود به الذكرى و التذكر، بحلها و ترحالها، بأيامها و لياليها، بصباحها ومسائها، ببكورها وآصالها، بمناسكها و معالمها، بلحظاتها و محطاتها، ولنكتف بالوقوف عند نهايتها، نهاية أبت إلا أن تصنع، و يصنعها الباب نفسه بأجواء تـنم عن عمق الأحاسيس وتفاعلاتها...
بعد طواف الوداع الذي أدته الشقيقتان بعد صلاة المغرب، وبعد صلاة العشاء مباشرة من ليلة الخميس 19 ذي الحجة 1429هـ الموافق لـ 17 ديسمبر 2008 م، وعلى يسار مدخل الباب التاسع و الستين جلستا أرضا، كانتا كما كان كل شيء حولهما يستميت في دفع، و إبعاد شبح الوداع الذي بدأت جحافله تتأهب للزحف ،
حتى الباب بعد خروجهما بدا ويبدو كأنه أغلق نفسه بنفسه فلا حركة حوله دخولا وخروجا كما كان المعتاد ...
جلسة جلستهما كانت آخر عهد به، و بهما، لحظة وأحاسيس، نظرات و خلجات، المكنونات و المكمونات لاذتا بالصمت، فرارا من تساؤل المقام.. من المفارق ؟ًًََ! ومن المودع؟!
حتى نبضات الروح وتحت وطأة الضغط ظلت تراوح في مكانها، فقد سلبت منها القدرة حتى على الإفصاح ولو بنبس شفة.. فالأغوار تهتز والأعماق تعتصر، ولغة القلب لم تجد من سبيل إلا المناجاة، ومحاولة اقتحام الأبعاد، واستشراف الآفاق.. وبين الأجيج والتأجج تبرز الكلمة لتتموقع وتحتضن الشغف الأبدي تعلقا و انتسابا.. تطلعا و تلمسا، توسما وترسما ...
وبقدر المعايشة و الملاصقة المتواصلتين المتصلتين بالنبع بقدر ماكان الترداد و الإصغاء
حتى الباب بعد خروجهما بدا ويبدو كأنه أغلق نفسه بنفسه فلا حركة حوله دخولا وخروجا كما كان المعتاد ...
جلسة جلستهما كانت آخر عهد به، و بهما، لحظة وأحاسيس، نظرات و خلجات، المكنونات و المكمونات لاذتا بالصمت، فرارا من تساؤل المقام.. من المفارق ؟ًًََ! ومن المودع؟!
حتى نبضات الروح وتحت وطأة الضغط ظلت تراوح في مكانها، فقد سلبت منها القدرة حتى على الإفصاح ولو بنبس شفة.. فالأغوار تهتز والأعماق تعتصر، ولغة القلب لم تجد من سبيل إلا المناجاة، ومحاولة اقتحام الأبعاد، واستشراف الآفاق.. وبين الأجيج والتأجج تبرز الكلمة لتتموقع وتحتضن الشغف الأبدي تعلقا و انتسابا.. تطلعا و تلمسا، توسما وترسما ...
وبقدر المعايشة و الملاصقة المتواصلتين المتصلتين بالنبع بقدر ماكان الترداد و الإصغاء
لأهازيج الذكرى وهي تدفع للتلاحم والتلامس و التعاطي والتفاعل، التلازم و التسامر، استحضارا واسترجاعا، استئناسا و استمدادا، وشاهده و مشهوده على رحلة، على جلسة جديرة بلغة البيان والإعلان وبلسان المنة والاعتراف..
أليس من حق الإقرار أن يفصح، ويقر، ويدون، ويسجل، ويكتب، ويقيد، ويبت، ويرسل، أن تلك الجلسة في رتب الدنا هي قمة المقصد و المقاصد وبظل الشقيقتين حيزهما في الوجود يماثل ذاك المقصد و المقاصد ويماثل تلك القمة التي بهما وبالباب التاسع والستين صنعت لتبقى محل خلود وتذكر، محل حنين وتلهف للوصال و التلاقي والعودة.
في ساحة الحرم الغربية للمسجد النبوي الشريف، وبعد صلاة العصر وبقرب باب المواعيد الذي فرضته وجهة الإقامة التي تقع في الجهة الشمالية للحرم وبمعنى أوضح على يساره وبمسافة ألف متر تزيد قليلا أو تنقص قليلا.. فندق بدر المحمدية، الطابق 08 الحجرة 37 ، 38.
نعم جلست أرضا مستقبلة باب المدخل للسور الواقي للحرم من الجهة الغربية، جلست تنتظر، وراحت تنقل بصرها علها ترمق شقيقتها التي تركتها وراءها في الحجرة حين خرجت ضحى ..
و بينما كانت مطأطأة رأسها، غارقة في أفكارها، ومستغرقة في تسابيحها، لم تشعر، ولم تنتبه إلا حين انحنت عليها شقيقتها مسلمة تقبيلا
و احتضانا، ولسانها يردد << توحشتك، توحشتك>> لم تتمالك نفسها فكانت دمعات عينها سباقة للتعبير.
في تاريخ رحلة حياتهما لقاءات ثنائية، و في مختلف المواقع، و الأماكن، إلا أن هذا اللقاء الثنائي التاريخي الفريد بخصوصيته، والمتميز بنوعيته تاريخا، ومقصدا. جدير بالوقوف عنده طويلا حسب الإيحاء، و الاستجابة وتبقى القراءة الأدبية هي المبتغى فضلا عن عمق الانتماء إحساسا ومشاعر الذي يجد في البيان سندا للتعاطي و التفاعل وإن كان الحديث، والرصد يتعلق أولا وأخيرا بالدموع وبموقعها دلالة ومدلولا، وعلى أديم ساحة الحرم سالت و انسابت، ترقرقت وتدحرجت، سقطت وتلامست مع الأديم، وجاءت كلمة الوحشة لتحتضنها فتزيدها انسيابا وتدفقا، تعبيرا وارتياحا، ومما جعلها أكثر حسا، ومسا، عامــلا التــوقيت
والتقاطع، ومقارنة مع الدمعات الصامتة الهادئة التي امتلأت بها العيون أثناء اللقاء مع الشقيق الأكبر الذي كان ينتظر في فندق بدر المحمدية قدوم الشقيقتين و الشقيق الأصغر فالمفارقة قائمة والبون شاسع...
حقيقة كان لقاء اخويا، حميميا، احتضانيا تجلت فيه أسمى العواطف و أرقها، وابلغ معاني التكامل والتلاقي إلا أن الانزياح زحف عليه فلم يتمكن – على الأقل- من المحافظة على حضور بأداء يجسد ويعكس يبت ويثبت.. لكن بين الحقيقة و الواقع قراءة مفتوحة، ممتدة تستقطب وقفات تلو وقفات... رغم أن المكان و الزمان والقصد كل ذلك يؤازر، ويشجع، وينمي، ويدفع لارتياد السمق...
وبين ذا وذاك .. ستبقى الذكرى تردد و تسترجع شتان بين موقعي الدمع انتقاء، وتلازما وحديثا.
فندق الأبرار.. أي حديث تبثه ذكراك.. وشهر ذي الحجة يشهد على أعز أيام، وأعز رحلة الجار و الجوار، الحضن والاحتضان، المأوى و الإيواء كنت، ولشقيقتين تاريخ، واعتزاز، و رصيد إيماني يتبوأ سمق العلا..
رحلة النعيم منك تتجدد، وتتفاعل كل وقت، صباحا ومساء، نهارا وليلا، فجرا وضحى، من غرفتي 1008 ، 1005 الطابق العـاشر تنطـلق ومع السلم الكـهربائي كلمة " ياالله " يقشعر لها الكيان فيزداد إيمانا على إيمان، و زلفى على زلفى، ومع مدخل الباب و المنحدر الممتد إلى الزاوية اليسارية المتصلة بشارع خالد بن الوليد – رضي الله عنه-
تبدأ خطوات رفع الدرجات، وحط السيئات، ومع بداية الشارع يبدأ التلاحم والالتحام مع الألوف المؤلفة قلبا وقالبا والمتجهة إلى الحرم المكي، والخـطى على دوي الذكر، واطـمئنان القلـب تتـحرك، جـحافل وجحـافل، قلوبـها مشدودة إلى الكـعبة، ذاك بلباس الإحرام وذاك تحـلل منه.. والشعور بالمـكان والزمـان يملأ النفس، ويستولي على الكـيان. وفي وسط شارع أبي سليمان يتربع مســجده، وذكرى الفتح لا تغيب عن كل من دخـله للصلاة ومسترجعا لأيام فتح مكة حين رشـق خالد- رضي الله عنه – الراية في موقع هذا المسـجد للاسـتعداد للزحف، عشرة آلاف مجاهد عـلى قلب سواء، وهاهي الـيوم، أضعاف مضاعفة من الألوف و الألوف ومـن كل حـدب وصــوب, و ( فج عــميق ) يمـــرون
ويكفي أن كرم الضيافة و الترحاب قد نيط بك طوال الإقامة، وما تجاور الشقيقتين ودون سابق ترتيب، أو تدخل، أو تكلف إلا أثر من آثار تلك الدلائل.
فحجرة 1005 نافذتها تفتح على سطح واسع غير مغطى، جعل لنشر الثياب المغسولة للتجفيف، ومن خلاله تشاهد منارات الحرم، وتلك البنايات الشاهقة المجاورة للحرم ذات الأغراض التجارية و الاقتصادية فضـلا عــن الإيواء << أبراج مكة >>.
أما الحجرة من الداخل فهي تتكون من غرفة ذات ثلاثة أسرة فردية، وجهاز التلفاز صغير الحجم مثبت في العلو، وجهاز التكييف مثبت في العلو كذلك مستطيل الشــكل كبير الطول قصير العرض وخــزانة ذات بابـين وهيكل
يسمو، و يتسامى، وكفة الوجود هـنا تتــرسم
خشبي يحتوي على أربعة درج، وكذا ثلاجة ذات حجم صغير، وطاولة نوميه صغيرة لهل درج و باب صغير.
ولاستكمال بعض الأغراض تم الاستفادة من مخزن الفندق بطاولة حديدية صغيرة للأكل، وسينية متوسطة الحجم، وفرن كهربائي صغير ذي الاشتغال الأحادي لإعداد الحليب و القهوة وبعض الأكلات.
أما على المدخل مباشرة و على اليمين يقع الحمام رغم مساحته الضيقة التي لا تتجاوز المتر و النصف إلا أنه يغطي الغرض، ويلبي الحاجيات، الماء بنوعيه متوفر على مدار الساعات، له نافذة صغيرة مطلة كذالك على ذاك السطح المفتوح، وكثيرا ما يستقر عنـدها
الحمام فلا تسمع إلا صوته المسجوع يتواصل، أو حركات جناحيه ..
لقد شهدت هذه الحجرة أياما و ليال مفعمة بالطلاقة والبشاشة، بالروح المتحفزة للتزود و السمو .. تذوق حلاوة الإيمان و التعاطي معه يكاد يلمس، التفاعل الحسي، و التلازم الشعوري حاضر، قائم، يشد و يدفع يحفز و يحث .. وهذا مقام قد يكون له لقاء مستقل حسب محطات بارزة حري بالوقوف عندها رصدا، وار صادا..
كما أن للشقيقتين نصيبا لهما فيها من عطاء النفس وانشراحها، من لحظات المرح والترفيه عن الخواطر، أبرزها لعبة التخويف فكانت الشقيقة (ن) تبحلق في وجه الشقيقة (ر) وتديم التحديق مع تحــويل سواد العيـنين فلا
تتمالك الأخيرة فتغير وجهه وجهها وتندفع ضاحكة حتى تدمع عيناها.
أما الحجرة المجاورة 1008 التي تأوي إليها الشقيقة (ن) برفقة رفيقتين لا تختلف كثيرا عن حجرة 1005 مساحة وتأثيثا، الأمن حيث الموقع، وأبرز سمة لها أن بابي السلم الكهربائي يقابلان باب مدخلها مباشرة.
تلك وقفات، أيها الفندق، فندق أبرار مكة، التي هي من إيحائك، ومن وحي أيامك التي كانت بينك... و كأنها تتطلع إلى لقيأك وفي أي لقاء وملتقى.. فيكفي اسمك على مسماك.. مكة والأبرار.
رحلة المناسك هي رحلة محددة زمانا، ومكانا، موقعا ونسكا، هيئة و امتثالا، انتقاء وتمثلا، ممارسة و استشعارا، إدراكا وربطا، تضرعا و رجاء.. إطالتها نعمة رفيعة، ومنة محمودة، وعطاء غير منقوص ...
الثلاثاء 18 نوفمبر 2008 م على الساعة الحادية عشر وربع انطلقت وأقلعت الطائرة برحلة رقمها 8068 من مطار باتنة متجهة إلى مطار المدينة المنورة وطوال التحليق كان استشعار قدرة الله – تعالى- وعظمته يستولي على النفس ويدفعها إلى الذكر و الدعاء و التضرع.
وعلى الساعة السادسة والنصف بتوقيت المدينة حطت الطـائرة على المـطار، وبعـد
الإجراءات المعتادة تم الانتقال على متن الحافلات إلى فندق بدر المحمدية، وقد استغرقت الترتيبات وقت أوشك أن يقترب من منتصف الليل..
وقبل صلاة الصبح لغرة يوم الأربعاء كان اللقاء الأول مع الحرم النبوي الشريف، لقاء التعاطي و التفاعل، لقاء الذكر والتذكير،فدرجة الصلاة فيه مطلوبة ،محفزة،وأسبقيته وأفضليته معلومة هو ثاني الحرمين الذي يشد إليه الرحال.
المواظبة على الصلاة فيه وفي الروضة الشريفة، و الوصول إلى مقام قبره- صلى الله عليه وسلم- تسليما وصلاة وشهادة وكذا مع الخليفتين – رضي الله عنهما- وكل ذلك و بالوجه المـشروع و الشرعي هو مقتــضى
التوافد، و التواجد في المدينة فضلا عن الاستشعار الفعلي لما يتسنى من الروافد التاريخية التي تلقي بظلالها تلقائيا إحساسا وانتماء، استزادة وتزودا، وما التردد عـلى البقيع وزيارة جبل احد و الوقوف عند المقبرة التي تحوي سيد الشهداء و أول سفير في الإسلام،و الذهاب إلى مسجد قباء يوم السبت و الصلاة فيه بركعتين كما فعل الرسول – صلى الله عليه وسلم- وغير ذلك من الأماكن و المواقع، إلا سياق ينطوي تحت ذاك المعنى الروحي، و الفكري و الحضاري و التاريخي.
وفي رحاب المدينة و ظلالها، وفي ربوعها و أجوائها تلاحمت الشقيقتان والتحمتا.
تلاءمت و التأمتا في حركة دؤوبة، و وتيرة فعالة، تستوعب وتضيف بحثا عن الكمال
المنشود، و المرتقي المطلوب وذلك كله تدريب، واستعداد للانتقال إلى مكة حيث مناسك العمرة و الحج و مقتضياتها الشرعية والعلمية.
ولعل من ذكريات المدينة التي ستبقى راسخة إلى الأبد خطبة الجمعة التي تمكن فيها الخطيب من ملامسة القلوب و العقول فلا ترى العيون إلا وهي دامعة باكية،و القلوب خافقة، متفاعلة مع عهد الرعيل الأول من الصحابة – رضوان الله عليهم جميعا- وكيف التفوا حول الرسول – صلى الله عليه وسلم- حبا، وتفضيلا، وتقديما على النفس والأهل. ابوبكر و عمر و عثمان و علي، ابن العوام و المقداد، بلال وابن عوف، سعد وابن الجراح، صهيب و سلمان، ابن معاذ وابن عباده، و... و... رضــــوان الله عليـــهم جميـــعا..
يا صحبة.. يا أهل.. يا أمة.. يا تاريخ.. هو ذا لقاء المكان بكم، فكيف بلقاء الزمان و العهد؟!
ابنت الزبير بن عبد المطلب ضباعه و حادثة الحصر في الحج كانت حاضرة في أحد دروس الأحاديث النبوية بعد صلاة المغرب.. إنها لذكرى.. وذكريات سبقت الوداع و التوديع زادا وتزودا..
فسلام الله عليك يا مدينة المصطفى- صلى الله عليه وسلم- حين لقيناك و سلام الله عليك حين ودعناك..
أكثر من خيمة للنساء اللائي أقبلن على تثبيـت
الانتقال إلى مكة حدث بارز يفرض ترتيبات معينة، واستعدادات متنوعة ..
ومعطيات تاريخية تلقي بثقلها، وتفاعلاتها، أيكون الانتقال بذكريات صلح الحديبية؟ أم بذكريات عمرة القضاء و الإضطباع؟ أم بذكريات الفتح؟ أم بذكريات حجة الوداع؟ أم تكون كلها متداخلة بإيحاءاتها، ودلالاتها .. لعل هذا المعنى، وهذا التداخل هو الأقرب .. ونسك التمتع يسعها، ويحويها، ويستجيب .. هي قراءة مفتوحة، واستقاء عن كثب ومن موقع التعاطي و التفاعل، التمثل والإسقاط.
وجاءت أمسية الاثنين.. وقبل غروب الشمس إيذانا بنهاية النهار، بدأت الحافلات تفد إلى الفندق، وما إن استقرت واقفة حتى بدأت أغراض وأمتعـة المســافرين تعــلو فوق
سطوحها.. مكدسة بشكل منتظم ومثبتة بالحبال، وأخذت المقاعد تستقبل الصاعدين حسب القائمة المخصصة لكل حافلة، وتوفيقا، ومنة كانت الحافلة التي تقل الشقيقتين أقل عددا، فجلستا في المؤخرة (ن) على اليمين و(ر) على اليسار، وكلتاهما استغلت مقعدين للاستلقاء، و التمدد، وأديت صلاة المغرب في الحافلة.. وتوافقا مع صلاة العشاء، توقفت الحافلات عند مسجد الميقات، أو ما يعرف "بأبيارعلي" الذي يبعد على المدينة باثني عشر كيلو.
اتجه الجميع إلى داخل المسجد للقيام بمقتضى نسك العمرة وضوءا أكبر، وإحراما، وتلبية، وصلاة ركعتين.
وما إن انطلقت الحافلات لتخوض رحلة الأربعمائة أو ما يزيد ذلك من الكيلومترات حتى راحت الحناجر تبدد سكون الليل بالتلبية << لبيك
اللهم لبيك...>> تلبية تلاحمت مع الكون استجـابة، وتسبيـحا، و حمـدا للعـلي القدير – سبحانه وتعالى-.
نعم لقد كانت رحلة إيمانية منقطعة النظير، نشطت فيها النفس ذكرا، ودعاءًَََ، وصلاة على خير الورى - صلى الله عليه وسلم- وفي الأوقات التي كان يتوقف فيها الملبون للاستراحة يلتجئ السائق إلى تدعيم الرحلة بشريط مسموع للشيخ محمد جبريل ترتيلا لسورة يوسف- عليه السلام-
ومتبوع بدعاء ختم القرآن الكريم، ثم الدعاء بأسماء الله الحسنى، استجابة لقوله – تعـالى- << ولله الأسماء الحسنى، فادعوه بها >> صدق الله العظيم.
وقد اعتمد على الطريقة التالية:<< يا رحمن ياالله، يا رحيم ياالله،إلى آخر الأسماء، يا صبور ياالله.. >>.
وقد كان لها صدى في نفوس المعتمرين بشكل جعل الكل يردد معه بصوت خافت هامس.. وبعد اجتياز المرحلة الكبرى من المسافة توقفت الحافلة للاستراحة وتجديد الوضوء وتناول أكواب شاي ساخن.
وقبل الآذان الأول بوقت معين توقفت الحافلات عند الفندق المقصود للإقامة (فندق أبرار مكة) وبين الفينة و أخرى كانت التلبية تستحوذ أداء، واستماعا.
مع فجر الثلاثاء بدأت أيام مكة تتحرك وعلى إيقاع وتفاعلات مناسك العمرة انطلقت الخطى قبل الظهر تحدوها التلبية متجهة صوب الحرم.. وعند باب العمرة رقم 62 استحضـر
دعاء الدخول ذكرا واستشعارا، وعند الكعبة وتوافقا مع الحجر الأسود واستفتاحا بالدعاء المأثور شرع في الطواف مع الاستناد إلى ما جادت به الذاكرة من مختلف الأدعية المناسبة، و المطابقة للمقام، وبعد إنهاء الأشواط السبعة التي تخللها الإضطباع، والرمل، ماعدا الشقيقتين كغيرهما من بنات جنسهما لا يعنيهن هذا الوضع.
صليت ركعتان و نظرا للازدحام أديتا في غير مقام إبراهيم-عليه السلام- وعند المصعد المؤدي اتجاهه صعودا إلى الصفا حيث موقع خاص بماء زمزم يقع على يسار المصعد مجهز بصنابير، وأكواب بلاستيكية بيضاء، إضافة إلى مواقع عدة داخل الحرم، وخارج الحرم فضلا عن صهاريج بلاستيكية صغيرة الحجم متواجدة في أغلب الجهات مكتوب عليها مبرد وبعضـها
غير مبرد. وقبل الشرب، والارتواء تم استحضار الدعاء المأثور حول ماء زمزم، وكان لرأسي الشقيقتين نصيب من تلك الأكواب التي صبت عليهما.
وعلى مرتفع الصفا تليت آية الصفا و المروة ثم شرع في السعي مشيا بأدب وسكينة ماعدا الهرولة عند الخط الأخضر بالنسبة للرجال .. أما الدعاء و الذكر فخير ما يعتمد تأسيا، واقتداء ما آثر عنه- صلى الله عليه و سلم-.
وعند مرتقى المروة بعد اختتام الأشواط السبعة كانت محلات الحلاقة هي المقصد للتقصير أو الحلق.
كان اليوم الأول مشهودا بزخمه، عطاءاته، بعفويته و تجاذباته.. التطلع إلى الأكثر طاعـة،
ومعرفة، ومعاينة هو المستحوذ على النفس و المحرك لطاقتها..
وتعاقبت الأيام، و الليال زمنا، ومكانا، وحدثا، فكان للحرم القسط الأكبر من الارتياد، و الطاعات، والذكر، و الاستحضار، و الاستشعار لذكريات إيمانية، و عطاءات حضارية متجذرة في أعماق التاريخ و أبعاده السحيقة دلالاتها أكبر من أية إحاطة،واستو فاء..
يكفي تمعنا و إمعانا << أفضل ظل في الوجود هو ظل الكعبة..>> وعلاقة الكعبة بالبيت المعمورة..
مفاهيم و حقائق و إشارات تسع الوجود إيحاء و استوحاء.. فأين القلب من كل ذلك.. الرحلة طويلة، و العقبات كثيرة، والزاد ضئيل..
وجاء يوم التروية فانبرى قاطنو فندق الأبرار يعدون، ويستعدون ليوم الحـج الأكبر ،
بما تسنى لهم من فهومات، وإحساس.. الوضوء الأكبر، الإحرام، النية، التلبية..
وتحركت الحافلات ناقلة الحجيج إلى عرفات مباشرة بدل المبيت في منى، والتبرير خوفا من الضغط والازدحام، فيتعذر الوصول إلى عرفات، فيتخلف الحجيج عن الوقوف باعتبار<< الحج عرفات>>
وفي أرض عرفات بجهاتها وحدودها التي تعتبر كلها عرفات.. توقفت الحافلات عند مخيم من مخيمات البعثة الجزائرية رقم 91 الذي يقع في الطريق العام وقريب من الطريق الذي يتجه مباشرة صعودا إلى جبل الرحمة.
انتشر الحجيج داخل المخيم حسب ما راقهم لأن المخيم يحتوي على عدة خيم واسعة.. وعلى يمين مدخله وعند السياج المحيط خصص أكثر من خيمة للنساء اللائي أقبلن على تثبيـت
ستائر لستر و تغطية الواجهة المكشوفة أو الإحاطة بمواقع تواجدهن في شكل مجموعات أقل أو أكثر عددا...
و قد كانت الشقيقتان سباقتين في تهيئة المكان إحاطة وسترا مما مكنهما من استراحة أقل نصبا، وتساعد على أداء الطاعة و الذكر، والركون إلى النوم ما أمكن.
وهكذا.. أبت ليلة الأحد للشقيقتين أن تكون إلا ليلة عرفاتية لا ليلة منيية.. ويبقى التنظيم، و التأطير، و الملاءمة عوامل معيقة تطرح إشكالات، وتثير استفهامات ليس في عرفات فحسب وإنما في مزدلفة وفي منى كذلك..
وسطعت شمس التاسع.. وبدأت الحركة تدب في أرجاء المخيم فضلا عما تشهده أجواء عرفات من حراك، وحركة طوال الليل..
صوت التلبية يتردد هنا وهناك.. إقبال الجميع في الاجتهاد .. واستشعار ما أمكن من المعاني التي يوحى بها هذا اليوم المشهود..
مسجد نمرة، الأماكن محجوزة من ليلة البارحة، باحته الخارجية امتلأت، كما غصت الشوارع و الساحات التي تقع في جهة حدود عرفات.. ما قاله الصيدلي في العزيزية يؤكد ذلك التحكم في الأعداد أمر مستحيل..مادامت ثقافة الإيثار غائبة..
الرؤوس المحلقة من غير البعثات تؤكد هذه الحقيقة.. وأقبلت الظهيرة فتكفل كل مرشد أن يتولى الخطبة و الصلاة جمع تقصير وتقديم في كل خيمة من مخيمات (91).
أما على مستوى النساء فقد استعان المرشد بالشقيقتين في التنظيم و التهيئة للصلاة، والخطبة، وبإسهامهما أثلجتا صدر المقام..
بعدها.. انصرف الكل ليجتهد في الدعاء، و الذكر، والتضرع.. وقراءة القرآن الكريم، ومسترشدا بالأحاديث النبوية الشريفة..
وقبل الغروب.. عادت الشقيقتان من جبل الرحمة، فحمل المتاع في ناقلة تدفع باليدين.. ومع بداية طريق المشاة المتجه إلى مزدلفة الذي لا يبعد جبل الرحمة إلا بمأتي متر أو اقل، ذي إنارة عمومية صفراء، شرع في الإفاضة..والذكر..راحت الخطى تلتهم المسافة في شغف، وأدب، وبين الفينة والأخرى كان البصر يسترق النظرات إلى الخلف تجاوبا لما يجول في الأعماق .. فذكرى عرفات أخذت تتربع، وتستولي على الفكر، و الخواطر مع الاستحضار، والاسترجاع لخير ما قاله – صلى الله عليه وسلم- في هذا اليوم و النبيون – عليهم
السلام- من قبله، كان يجري على الألسن بقصد أو غير قصد ..
السير أو المشي ليلا هو إسراء وهو بهذه الصورة لا يماثله أي إسراء آخر في هذا الوجود لارتباطه بحدث محدد زمانا، ومكانا، و توقيتا، فهو جدير بكل مفردة،ومعنى يجسد الحدث، ويترجم ما يوحى به، ويؤسسه كدلالات للذكرى، للاستئناس، للتواصل لتتبوأ كرصيد يعتمد، ويستند في إسقاط يستدعي ذلك.. أو في كرة، أو كرات تكتب..
و فتحت أحضانها.. وألقت بمالها، و بما فيها.. مزدلفة.. اسمها ينطوي على معناها، ويحويها حدثها، لكن الزحام، والازدحام، والاكتظاظ، والاندفاع مظهر فاق، ويفوق كل تصور..غيب المعــاني الروحـية، وحـجب
المقاصد المنشودة.. مفارقات.. الاستغراب، والتعجب أقل تعليق، و أبسط استنتاج ..
و بعد أخذ ورد.. وجهد جهيد للوصول إلى أية بقعة أو مكان من مزدلفة لمجرد أخذ النفس، و اتقاء التدافع و الازدحام، باءت بالفشل.. ونتيجة للأعداد الضخمة التي كانت وراء الشقيقتين يدفعها المسعى نفسه حدث ما لم يكن متوقعا.. اصطدم الزاحفون مع العائدين على أعقابهم.. فسدت كل المسالك، والأدهى أن أديم الأرض مغطى بالنائمين، فلا يمين ولا شمال يمكن الخروج أو التسلل.. ولشدة الضغط افترقت الشقيقتان واستسلمتا للطوفان البشري الجارف.. حيث وجدت (نون) نفسها قريبة من اللوحة الإشهارية الكبيرة التي منها حددت بداية مزدلفة.
أما (الراء) فاستقرت بقرب المستوصف الذي يبعد تلك اللوحة بقرابة مئتي متر.. وحين تم الاتصال الهاتفي استقر الرأي أن تبقى كل واحدة في مكانها، فالمنافذ كلها مسدودة، وما تبقى من عمر الليل فهو قليل .
ومع الانصراف إلى الصلاة، و الذكر وغفوة العيون قليلا، بدأت ملامح الفجر تلوح، وما إن أديت الصلاة المفروضة حتى بدا وكأن الساحة وعلى امتداد البصر في كل النواحي برمها تزحف نحو مِنــََى ..
أما الحافلات وغيرها من وسائل النقل حركتها لم تتوقف منذ غروب شمس عرفات.
وقبل صلاة الظهر تم الوصول إلى مخيم(91) بعد بحث أخذ من الوقت ما أخذ فضلا عن الازدحــام، وامتلاء المسالك بالحافلات .. و غـيرها من وســـائل النــقل الفــردية
والجماعية التي أثرت سلبا على حركة الراجلين.
لكن المفاجأة الكبرى التي أقلبت الحسابات، و التوقعات، وأدارت ظهر المجن كما يقول المثل، كانت بمثابة صدمة بل صدمات لا تمت لأية صلة لما كان يذكر، و يتطلع إليه..
فإقامة(91) مخيماتها امتلأت، وفاضت عن بكرة أبيها، حتى المسالك التي بين الخيم والتـي لا تتجاوز مترا مساحة اكتظت بالمـتاع وبالواقفين .. تحليلات شتى.. لكن التعليل غائب و مغيب، بعض الشائعات، و التمريرات إن صح التعبير تقول: أن اللانظاميين من الجزائريين اخترقوا المخيمات مسبقا، لأن أية إقامة خارج المخيمات في الشارع أو في أي ساحـة ما لا يسمح بها، فالأمن بالمرصاد لكل وضع يخالف ذلك، حتى وان كنت لوحدك ماشيا في أي شـارع
ما وتوقفت عند الرصيف وتجلس من أجل قسط من الراحة يشيرون إليك بالمغادرة..
وفي خضم ذلك الجو المشحون، المهتز الضاغط على الأعصاب، كان التوجه إلى الجمرة الكبرى لرمي الحصيات متنفسا أنسى هم الإقامة وتداعياتها، ولطبيعة الرمي في هذا اليوم، الوقت المناسب غير وارد، الزحام وتتابع مختلف بعثات الدول، فالوصول إلى مكان الجمرة و الرجوع يخضع لترتيبات محكمة، وتنظيمات دقيقة هي التي تتحكم في العملية، وتوجهها، أما عن الوقت الذي تستغرقه فلا تسل، فالساعتان هما أقل وقت يمكن أن يذكر .. لكن ماكان يدعم النسك إقبالا وتفاعلا، استشعارا لمعاني، والاسترسال في الذكر وخاصة عند رمي كل حصبة ومتبوعة "بالله أكبر" فالموقف يسمو، و يتسامى، وكفة الوجود هـنا تتــرسم
وتتوسم، وتم الرمي وحتى بالإنابة عن الشقيقتين، هذا نيابة عن آمتك "ر" وهذا نيابة عن آمتك "ن".
ولمحاولة إيجاد مخرج للإقامة ثم التحرك في مختلف جهات المنطقة المحاذية للخيم وصولا إلى مسجد الخيف وغيرها من النواحي الأخرى بحثا عن أي إيواء يساعد على المبيت ويمكن من أداء المناسك.. وبعد استنفاد كل وسيلة ومحاولة كانت الرخصة الشرعية مخرجا.. فعادت الشقيقتان إلى مكة، وحين ولجت إحداهما حجرة الفندق نطقت قائلة: بيتي.. بيتي ولو كانت مجرد إقامة في الفندق.
وفي اليوم الموالي كان الموعد مع طواف الإفاضة بشقيه الطواف و السعي، بعده تم التحلل النهائي من مناسك الحج، أما الهدي و الحلق فقد سبق الطواف، الهدي سدد في شكل سند في المدينة بمقدار395 ريالا عن طــريق
الجهة المخولة لذلك (بنك الراجحي) و أبرز فروعه تلك الأكشاك المحيطة بالحرم النبوي وضعت خصيصا للتسهيل و التقريب أما في مكة هناك أماكن معينة عليها لافتات ضخمة، ميزة أحد هذه الأماكن الموجود بجانب الحرم المكي القريب من مستشفى << الاجياد>> انه يسلم سبحة سباعية مع كل تسديد تستغل في الطواف أو السعي.
واستكمل رمي الجمرات الثلاثة بعد ذلك حسب الأيام المحددة، وكذا بالنسبة للشقيقتين و بالإنابة.
هذه هي المناسك بما جادت به، وفضفضت في مختلف مراحلها، ومحطاتها، وتبقى المعاني، و التعابير الدالة عليها ابلغ من البلوغ، والإحاطة إلا إن ذكراها ستبقى على مر الأيام تذر فكرا وحنينا.
بنهاية أيام رمي الجمرات بدأت أيام الأسبوع الأخير تودع، وتستودع، الجمعة هي الجمعة الأخيرة في رحاب البقاع المقدسة، مفردات الفراق و الوداع، والرحيل، والبين والفقد أخذت تعد، وتستعد، فالرحلة ليست كغيرها من الرحلات في أنحاء المعمورة، واللقاء ليس لقاء عاديا، قد يتكرر أو لا يتكرر، وحتى وان تكرر فعنصر المفاجأة و العفوية له انطباع متميز يعتلي الصدارة ولا يقبل الشراكة.
الإحساس بالفراق يلقي بثقله في كل موقف، وحركة، حديث الناس لا يتوقف عنه..
الحرم وعلى وقع طواف الوداع بدا عليه أسى الفقد.. الألوف والألوف تغــادره والعيــون
دامعة، والألسن لا تجد ما تقوله أو تعبر به إلا التضرع للخالق – عز وجل- أن لا يحرمها من العودة.
الشقيقتان في كل صلاة في الحرم تشاهدان، وترقبان، اللقاء الأخير مع الشقيق الأكبر في الفندق قبل سفره وعودته إلى أرض الوطن يعكس ويدل، فتفاعلات الأحاسيس تشتد و تضغط على النفس، فاليوم الذي يذهب لن يعود..
مسجد عائشة- رضي الله عنها- من ابرز ذكريات الأسبوع الأخير.
فبعد صلاة الصبح من يوم الأحد، ومن الفندق كانت الانطلاقة إلى التنعيم حيث المسجد، وعلى متن سيارة جماعية اقل غرضا و تكلفة.
وفي المسجد تم الوضوء و الإحرام والنية و التلبية، هي عمرة تطوعية بالنيابة، إحدى الشقيقتين (ن) نوتها على إحدى عماتها، بينما الشقيقة الأخرى كانت الزيارة للاستطلاع، والمعاينة، و الصلاة..
المسجد، والمصلى الخارجي والساحة العامة كلها مكتظة بالمعتمرين، بدا أن أصحاب نسك الأفراد هم الأغلبية ..
وأثناء العودة للاتجاه إلى المسجد الحرام لاستكمال مناسك العمرة، استعصى الأمر، أصحاب النقل الجماعي استغلوا المناسبة ورفعوا التسعيرة و بالاتفاق بينهم.. حافلات النقل العام ذات اللون البرتقالي رغم عددها الكبير الذي لا يتوقف ذهابا و إيابا.. لم تتمكن من التحكم.. تسعيرتها معقولة ريالان، الحصول على التذكرة
مسبقا، اشتبه الأمر في البداية عن معرفة مصدر هذه التذاكر.. إلا أن الشقيقتين تفطنتا.. فبقرب المسجد كشك صغير يلبي هذا الغرض.. ما يؤكد ذلك المصطفون حوله.. مباشرة ومن جهة النساء تمكنت الشقيقتان من اقتطاع التذاكر.. وجاء دور الركوب رغم الضغط وتزاحم الراغبين في الركوب تم الصعود في إحدى الحافلات التي كانت في المؤخرة..بجانب الحرم المكي في موقف خاص بهذه الحافلات المتصل هبوطا بشارع إبراهيم الخليل-عليه السلام- نزلت الشقيقتان واتجهت إلى باب(69)...
تلك ابرز ملامح، وأحداث، وذكريات الأسبوع الأخير من رحلة العمر.
للحج أسرار، إدراكها استشعار وإحساس، فضلا عن التشكل و التأسس فكريا، و نفسيا رغم حيزها الزماني و المكاني إلا أن ظلالها لا حدود لها لا زمانا، ولا مكانا، ولا ارتباطا، باعتباره السقف الأعلى لحياة الأيمان في رتبه و حركته المعتادة، وأوضاعه العادية..
اعتادت المصنفات على ذكر الحكم سواء المتعلق منها بالبعد الإيماني، أو الاجتماعي، أو الإنساني، أو التاريخي، أو الاقتصادي، أو الحضاري، وغيره..
إلا أن فن الذكر فيه يتصدر الطليعة، ويحرز الأسبقية في التعاطي، والتعامل، والتفاعل، وتلك حكمة الحكم، وسر الأســـرار، الذكـر، آيـــات الحج ذكـرته بصــريح اللفـظ ،
وبصيغه الامتثال والعلة، أما ما جاء في الأثر فهو واضح في مقاصده، ومراميه، في معانيه ودلالاته << جعلت المناسك لذكر الله>>.
فالذكر هو السلاح، هو الزاد، هو المبتغى، هو المرتقى فطوال أيام الحرمين و المناسك كان الذكر يستحوذ، يذكر، يدفع، يحرك، يحفز، ينشط، يقرب، يمتن ..
أخيرا و أولا هو حصاد الحج وسر أسراره بكل ما تحمله اللفظتين من دلالات..
فالذكر المتواصل والمتصل بالقلب إخلاصا وتمثلا سياج يحافظ على ذكريات الحج، وضمان للعبور إلى << مقعد صدق عند مليك مقتدر>>
فأعمقه وأوثقه اعتقادا وانقياد<< ياالله >>.
هي رحلة ..رحلة العمر بلا
منازع، بلا منافس ..بالشقيقتين كانت
مثالية، نموذجية.. لن تتكرر،حتى وان
تكررت وبالشقيقتين لن ترتقي إلى
مصافها أو تضاهيها، فالسبق العفوي،
والتلقائي، والفجائي رشحها لتتصدر،
لتستمر، ولتبقى محل فكر ونظر،
محل عطاء و أداء، زادها الذكر،
وحصادها الذكر، وذكرى
ذكراها <<ياالله>>
شقيقتان وكفى.. و الشقيقتان هما.. إنها ليست مبالغة بيانية، ولا ضربا من خيال الانتماء، بل هي صورة من أروع الصور احتضنها الوجود سموا وارتقاء، مكانا وزمانا، موقعا وإيقاعا، إيحاء وأثرا.. رغم أن الشقيقين الآخرين تحويهما الصورة لقاء والتقاء، تجاذبا وانجذابا، إحساسا وتفاعلا..
وما الصورة التذكارية إلا شاهد حال، ولفتة أيام، عن أوج لحظة الاحتضان الطبيعي لظلال صورة قلما تتكرر بهذا الشكل التي كتب لها أن تكون، وتحدث، وتجري مشاهدها.. وتتواصل وعلى أديم أطهر بقعة، وأنقى مكان، وأعز ثرى، وأندى إيمانا...
لقد ظلت كما هي إلى آخر لحظة من عمر الرحلة، ولم تتأثر بمسلك الشقيقين، فالانسيـاق،
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق