رجل الارحام
رجل الارحام .. هو محمود في الدنيا– و ان شاء الله تعالى – هو محمود في
الاخرة .. هذا عنوان سيرة الرجل في كل صغيرة و كبيرة ... في كل وقفة و اطلالة ..
فالعفوية هي التي صاغت شخصيته .. و اضفت على سلوكه القويم .. و حسه الفعال في
التعاطي مع صلة الرحم .. في شتى المجالات .. و الاحداث .. و المناسبات .. طليعة ..واضطلاعا،
تصدرا و احتضانا.
ع-ا-ب
ا-س
الاهـــــــداء
الى رجـــل الارحـــام
اصــولا وفــروعــا
وخــــلفــة
يــهدى هــذا العــمــل
المــتواضــع
كـــلــمــة الانـــجــاز
من حق الجيل الذي
عاصر فترة معينة من الإحتلال الفرنسي ،و عايش الثورة النوفمبرية بكل إنجازاتها و
تضحياتها ، وكتب له أن يشهد ويحيا ، و يحتفي و يحتفل بالنصر و الإستقلال . أن تقف
الكلمة التاريخية و الفنية عنده بأبسط مايمكن ما يجود به الحس الفني ، قبل التفاعل
التاريخي و الإجتماعي كعربون وفاء و إنتماء ، و تواصل –فضلا- عن مشاعر الحنين و
أجيجه ، والإشتياق لعهدهم و لأيامهم .
ولعل من أشجى
الحسرات التي ما فتئت تحز النفس ، وتدمي القلب أن هذا الجيل رحل دون أن تتمكن
الكلمة من المشافهة ، والمحادثة معه مباشرة استماعا و معرفة ،تقييدا و تسجيلا عن
أشياء كثيرة ،وحقائق شتى صارت بعد رحيلهم محل إهتمام و تساؤل .
نعم .. أن تكن
إمكانات أداة التعبير أثناء عهدهم ، وتفاعل الكلمة حينها أقل مستوى من حيث خلفية
الرصيد المؤهل ،و المحرك إهتماما و شعورا بقيمتهم ، وقيمة المرحلة التي عاشوا فيها
، فإن المبررات و المسوغات اليوم لم تعد قائمة نظرا للتطور المدهش الذي تحقق بفضل
التواصل الإجتماعي بالكلمة و الصورة ،بأبجدياتها صارت في متناول الجميع ،فكما أن
العالم غدا قرية كونية ،فبإمكان الكلمة الجامدة بمعية أدوات الإتصال أن تصنع ما
يستحقه هذا الجيل المخضرم الذي أعطى كل شيئ و لم يأخذ سوى ذكراه التي ستبقى محل
إثارة و إثراء للإيحاء و القراءة .
أبوعبد الغاني
اصولا وفروعا
ابو عبد الغاني
محمود بن المداني بن خليفة ( 19 /05/1940---
18/12/2002 )
خلفة والده :خليفة
،مسعود ، الصادق ، عبدالله ، مزيان ،
غزالة ، جمعة ، ربعية ...
والدته هي سعيدي حدة
بنت محمد بن أحمد بن اسعيد من مواليد 1910م ( ش.م رقم :
04692)
أخواله و خالاته :
شعبان ، صالح ، الزهرة ، علجية ، هنية
جدته : جحفة فاطمة
بنت لحسن من أولاد عمار
أعمامه : المداني هو
الوحيد المتبقي من الذكور بعد وفاة أخويه صالح و أحمد في ريعان شبابهما
عماته : غزالة ام
بومعراف
حيزية أم إبراهيم
أم محمود
حدة ..اسم على مسمى
، اسم تاريخي أكثر التصاقا بالبيئة الإجتماعية ، و تنافسا على تسميته ، بل أبلغ من
ذلك محل فخر واعتزاز لكل أنثى تحمله ، و يكفي دلالة و قيمة فنية أن أبرز أغاني
الرحبية هذا التراث الشعبي الأصيل أغنية (
حدة لالة )فهي لاتقل قيمة و أثرا فنيا عن أغنية فريد الأطرش نورة .
لكن شتان بين الأمس
و اليوم ، فسلوك الاستنكاف في التواصل مع الأسماء التاريخية بين الأبناء و الأحفاد
و بين الأباء و الأجداد ، يشكل مظهرا من مظاهر الوهن، و الهوان في صيرورة و سيرورة
نسيج الظاهرة الإجتماعية فعثمان و حيزية ، شعبان و جغمومة محيو و العطرة ، ربعية و مسعود ..و ..و .. فهذه الأسماء غابت
حتى على مستوى الخواطر ، فبدائلها أسماء مستوردة غريبة عن تاريخ البيئة زمانا ، و
مكانا ، و شخوصا ، هو إنفصام وانفصال عن كينونة الإنتماء ، إن لم تكن ردة نفسية
ظاهرها بريق ، وباطنها حريق .
فمثلا ، اسم "
حدة " على مستوى عائلات سعيدي – طبعا – في عهد الأجداد و الأباء ، فيه تنافس
في أخذ هذا الإسم ، و البيانات التالية تاريخيا و شخوصا أبلغ دلالة على ذلك .
سعيدي حدة بنت
بلقاسم بن بوزيان بن عاشور بن السعيد 1888م
ش-
م – رقم : 4776 .
سعيدي حدة بنت عمارة
بن بوزيان بن عاشور بن السعيد 1897م
ش -م – رقم : 4737 .
هما بنتا العم و هذا
بيت القصيد في هذه الظاهرة في التسمية .
سعيدي حدة بنت محمد
بن بوخضرة بن عاشور بن السعيد 1907م
ش- م – رقم : 04720.
سعيدي حدة بنت الحاج
بن عمارة بن بلقاسم 1919م .
أما على مستوى
عائلات و أسر البوجمعويين ، الكلمة حين قمت بعملية البحث و التحري شودهت ، واندهشت
إندهاش غبطة ، جدات تربعت بأسمائهن الصادعة ، و الساطعة ، وبين عائلات سعيدي و
بوجمعة بحكم اواصر القرابة ، يبدو ان اسم حدة بهذا الحضور القوي له صدى إجتماعي
تاريخي كظاهرة لافتة للمنطق قبل الوجدان ،
وأبسط نص فني كسند يرتكز عيه إشادة وتنويها كما ذكر آنفا على مستوى فن الرحبية .
بوجمعة حدة بنت ساعد
بن علي 1871م ش – م – رقم : 01137 .
بوجمعة حدة بنت
مختار بن علي 1921م ش – م – رقم : 01142.
بوجمعة حدة بنت أحمد
بن محمد 1927م ش – م رقم : 00904 .
بوجمعة حدة بنت
العربي بن براهيم 1935م ش – م رقم : 01086 .
بوجمعة حدة بنت
محمود بن محمد 1944م ش – م رقم : 04360 .
وعلى ضوء هذه
المعطيات ، ففصل أ م محمود يأبى إلا أن تدع السياق يتناسق و يتواصل ، فقد فرض نفسه
كمعطى فني قيمة و دلالة ، و بحثا ، وللعلاقة الوطيدة بين فن الرحبية و قبيلة أولاد
سعود ( سعودي ) على مستوى زوي أقتضى مسار
و منحى هذا السياق أن يقف عند هذه القبيلة للغرض نفسه ، وهي لفتة جديرة بالاهتمام
و البحث ولو بوقفات ، وإشارات مرحلية
حقيقة .. بعد بحث على مستوى الحالة
المدنية ( أولاد رشاش ) تبين أن اسم " حدة " لدى القبيلة حاضر بقوة ، و
بشكل متواصل عبر الأجيال ، الأجداد و الأباء ، فالأبناء و الأحفاد ، بل جيل
الأبناء و الأحفاد أكثر تداولا و تشبثا بهذا الإسم ، و الدلالة قائمة لا تستدعي التعليل و التأكيد ، و بالتالي الكلمة تكتفي
بذكر أسماء أربعة قبل الوقوف عند المقطع الأول الذي يشكل العنوان البارز لأغنية
"حدة لالة " .
سعودي حدة بنت سالم
بن صالح 1885م ش – م رقم : 04887 .
سعودي حدة بنت محيو
بن عمار 1921م ش – م رقم : 04903 .
سعودي حدة بنت صالح
بن عبد الله 1934م ش – م رقم : 00266.
سعودي حدة بنت محمد
الصالح بن مروش 1946م ش – م رقم : 04155
المقطع الأول لأغنية
" حدّة لالة "
= حدة لالة شمه قتنابان
= هي إشادة و تنويه ، إحتراما
وتبجيلا و إبرازا لحضورها الإجتماعي الذي يسد الفراغ ،ويتكفل به بالنيابة و
الإنابة عن الآخرين و بمنتهى القدرة والكفاءة و الآداء ... و القراءة مع هذا
المقطع مفتوحة فكريا وفنيا و اسقاطا ...و لعل من
تلاق و التقاء الخواطر فكرا و فنا و تعبيرا ان تكون اغنية حدة لالة لها
الأسبقية التاريخية و الزمانية على اغنية فريد الأطرش " نورة " و مواطن
الفن في هذا المجال لا حصر لها
و بعد كل هذه
الاشارات و الوقفات المتواضعة يكفي دلالة أن محمودا خرج من رحم حدة فكانت جرعات
الرضاعة مطعمة بالحنو، و الدنو بحكم اشتراك الاسم في حرفين دالين الحاء ، و الدال
و أبجديات اللغة قراءة و استقاء لا يطالها إلا الحس الفني الأصيل المتفاعل مع
الأصالة انتماء و شخوصا ، زمانا و مكانا .
رجــــل
الأرحـــــام
هو محمود في الدنيا
- و إن شاء الله تعالى - محمود في الآخرة ،هذا عنوان سيرة الرجل في كل صغيرة و
كبيرة، في كل وقفة وإطلالة .. فالعفوية هي التي صاغت شخصيته ، واضفت على سلوكه
القويم ، وحسه الفعال في التعاطي مع صلة الرحم في شتى المجالات ، والأحداث ،
والمناسبات طليعة واطلاعا ، تصدرا و احتضانا ، فكم من حادثة عادية أو غير عادية
حدثت بين صلة الرحم هنا ، أو هناك ترى محمودا سباقا مبكرا في احتوائها تبنيا و
انفرادا ، وكأنها قضيته، تخصه هو لا سواه .
صفحات كثيرة سجلت له في هذا المجال و يصعب
حصرها ، وتعدادها ، ونظرا لقيمتها الشرعية و الأخلاقية و الإجتماعية تأبى الكلمة
إلا أن تتركها طي الكتمان ، و الإكتفاء بالإشارات أبلغ و أثقل في ميزان حسنات الر
جل ، ومراتب أيام حياته ، فكل لفتة من لفتاته في سياق التفاعل كانت لبنة تواصل ،
وتأسيس لهذا الصرح العظيم الذي كان يرى فيه قمة إنجاز ، و عطاء في الوقت نفسه .
ومن آثار هذا الصرح أن الإهتمام ، والتعامل ، و
التفاعل مع صلة الرحم لم يقتصر على الأصول ، و الأتراب ، بل تجاوز إلى الأبناء و
الأحفاد ، وكأن أنشودته الخالدة
" من لم يوقر
الكبير ، و يرحم الصغير يخرج من دائرة التراحم " ضل يرددها مع نفسه سرا دون
أن يجاهر بها ، وهذا سر من أسرار حياته الاجتماعية ، إن لم يكن لب الأسرار و
ديدنها حسا و مشاعر .
الإسترسال في رصد صور هذا النبع الفياض يدع
الإنقياد ، و الإصغاء من صميم ما يمكن أن تصل إليه الكلمة وهي تشعر أنها ترداد قمة
سمق يتربع عليها محمود وهذا حق من أبسط حقوقه على كل من حصل له ان ينفذ الى عالمه
و لو برهة من الزمن و الذكري ،وليس من سبيل الا أن يترك الأمر و بكل تفاعلاته حدثا
و حديثا للمكمونات والمكنونات أن تبدي و تبوح و بصدق المخبر و المنبر ،
فالجيل المخضرم حري بكل ذلك
قبل أن يسدل الستار على هذا افصل من حياة الرجل
، فالكلمة تسجل و بمنتهى الفخر و الاعتزاز أن مفتاح هذا الإنجاز ولادة ، وإندفاعا
رغم أن الرجل منذ رحيله ظل ظله يترقب ، و الكلمة تترقب حتى جاءت لحظة الفتح و
الإنفتاح من خلال موقف مرتكزه ، و مصدره
،و منطلقه جاد به ، و بعفوية الظلال الوارفة أحد عقبي رجل الأرحام ، فلفظة "
اَيّاو " فتحت كل شيئ ، وحركت كل شيئ .
محطات في حياة الرجل
مهنة البناء
الإنتقال الى الوقوف على محطات أخرى من حياة
الرجل التي تكاد تكون ثانوية بالنسبة إليه ،إلا أن علاقتها بصلة الرحم - تفاعلا و
عطاء – بارزة و ظاهرة فكانت عنوانا لكل حركة ونشاط
فمهنة نشاط البناء لم تكن لديه مجرد مهنة
هامشية ، عابرة ، ومناط استرزاق و كفى ، و إنما كانت فنا و إبداعا ، و عطاء ..
فتوأمته مع شقيقه مسعود تؤكد هذا المسار المهني الذي كان متنفسا لحرية منشودة لا
سلطان لأية عوامل عليها .
لقد
كانت نموذج استقطاب ، و إعجاب و إحترام ، واقتداء فابنا بلقاسم عزيزي،عمر و لعبيدي
شاهدا ذكر لا حصر.. أما خاله الصيفي شقيق سعيدي محمد بن معروف الذي مارس مهنة
البناء ما من مقام إلا وينطق لسانه ثناء و
إشادة بهما..
أما ابن خالته الزهرة ،الصيفي امحمد بن عمارة
الذي يتقاطع معه في نشاط البناء ، و المستجدات الإجتماعية التي – دائما – يتكفل
بها محمود بشكل إستباقي منقطع النضيرغير أن ابن خالته رغم كفاءته في عملية البناء
، لكن جعلها وقف على نفسه ، لأنه منصرف إلى نشاطين تجاريين ناهيك عما يتعلق بالجانب
الفلاحي في أرضه ، وفق متطلبات الموسمين البذر و الحصاد ، له محل خاص لتجارة
التمور يقع على شمال الطريق القريب من المخرج الشرقي لزوي القديم ، يقابله جنوبا
محلين تجاريين للمواد الغذائية ، الأول : عبد الرحمن سلمي ، و الثاني : لشقيقين ،
بشير و التجاني هما اصلا من واد سوف حيث استقرا في زوي مدة من الزمن و كانا لهما
حضور تجاري قوي زيادة عن طيبة المعاملة ، و العشرة ، - طيب الله تعالى ذكراهم
جميعا –
و النشاط الثاني
لابن عمارة يتعلق بالطبخ في محله ، في
صحراء الميتة خاصة أثناء الفترة الزمنية للسوق الأسبوعي .
شخوص .. و أيام ليست
بمنأى عن علاقات رجل الأرحام بهم ، هي فسحة تاريخية لها حضورها الفني لو ترك لها
الإبحار ، و التحليق لذهبت بعيدا ، واستنفرت كل شيئ ، و حركته .. يكفي أنها أيام
مطبوعة ، ومنقوشة في الذاكرة اجماعية
عودة إلى رجل الأرحام ..فهياكل كل الحضارات
قديما ، و حديثا شيدت بسواعد هذه المهنة يكفي دلالة وصفها بالبناء ، حيث
ينفرد ، و يتميز بهذا النشاط – خاصة – حيث
يكون عند صلة الرحم ، و عند أقرب الناس إلى قلبه ، فتراه يديم فيه تأنيا ،
واجتهادا ، و تفننا في الإنجاز حتى و إن كان عملا محدودا ، و بسيطا فإنه يراه
مشروعا يستحق منتهى إمكانات مهاراته .
ففي أرض سعيدي محمد بن معروف بن أحمد بن اسعيد (
1902م – 1978م ) الذي يناديه "خالي " بحكم القرابة فهو ابن عم والدته .
نعم .. في هذه الأرض التي تسمى " طبة البلبالة " التي لها تاريخ ثوري و
تجاري و فلاحي ، فطالما تردد عليها رجل الأرحام قبل الثورة ، و أثناء الثورة ،وبعد
الاستقلال ، فالذاكرة الفنية تحتفظ له بمشاهد ، وصور على أديم هذه الأرض ، شجرات
التين الثلاثة كانت ظلا و ظلالا و فاكهة طيبة .
قبل نهاية الستينات .. الفصل صيف ، كانت مبادرة
منه أن يعيد تهيئة سطح البئر بالحجارة المصفحة و الإسمنت ، هذا البئر كان مقصدا
للتزود بالماء الشروب .
فإبن بوزيد علي والد
معوش ميلود آخر ذكرى له قبل أن يرحل من هذا الوجود بساعات ، هي كانت ليلة صيفية
حيث اعتاد أن يحضر للسهر مع ابن معروف ، بقرب البئر استلقى على الأرض و اتكأ على
كرسوع يمناه ، احضرت له عرانس الذرة المشوية على الجمر ، أكل حتى اكتفى ، ثم تناول
كوبين من الشاي ، بعد ذلك طلب شربة ماء من البئر ، مع منتصف الليل ودع جليسه عائدا
إلى بيته ، وعند الفجر جاء نعيه ، لقد رحل وبقت ذكرى جلسته و عرانس الذرة ، وكوبي
الشاي ، و شربة ماء البئر راسخة في الذكرى ، ذكرى الأجيال التي عاصرته .
هي استراحة ذكرى من ذكريات طبة البلبالة
أرادتها الكلمة ، و في سياق حضر تلقائيا صورة و حدثا لتطيل المكوث مع محمود .
هاهو
ذا قد جلس تحت ظل شجرة التين القريبة من البئر ، بعد أن أنهى الشطر الأول من عمل
تهيئة سطح البئر ، و على مائدة الغداء مع خاله ابن معروف ، وفي الهواء الطلق ، كانت
بينهما كذلك وجبة ذكريات تاريخية .
نظر محمود إلى شجرات الإجاص الثلاثة الواقعة
على حدود جنوب طبة البلبالة ، وأطلقها تنهيدة ،
واسترسل قائلا : قبل الثورة بفترة جئت بصحبة شقيقي مسعود لاقتناء بعض
المواد الغذائية من الحانوت ( التي كانت على
شمال السكن ) فوجدنا خالنا الشهيد النوي بن معروف جالسا تحت ظل الشجرة
الوسطى ، وعلى الأرض ، فاتجهنا إليه ، فكانت لحظات من تلك الأيام الصامتة الثائرة
، ثم سكت .. على أثر أجيج الذكريات الذي بدأ يهز كيانه .. انطلق محمد في سرد آخر
لقاء معه .. في ليلة صيفية 1956م ، حضر الشهيد لحسن مرير مع فوجه الإحدى عشر فردا
، بما فيهم شقيقي النوي ، أخذوا قسطا من الراحة ، ثم تناولوا وجبة العشاء ،و أخذو معهم
ماتسنى من فاكهة الأشجار من إجاص و تين وعنب ، وحين سألت النوي عن وجهتهم ، رد لا
ندري بالضبط ، وفي اليوم الثالث بعد هذا اللقاء ، جاء الخبر ..في شعبة الآخرة ..
" حمام لكنيف " كانت الوشاية ، والمعركة ، والإستشهاد ...
خيم عليهما الصمت ، صمت الأعماق الجريح ، و
ذكراه المؤلمة .. قام محمود و غادر المكان ، أما محمد فقد توجه إلى الحانوت هناك
زبائن تنتظر ..
و في الغد حضر محمود مبكرا ، فشرع في تكملة سطح
البئر ، ثم انطلق في بناء حوض مستطيل الشكل شرق البئر ، و بعد يومين تم الإنجاز .
لقد ظل هذا الحوض شاهدا على طيف محمود ،
فطالما جلس على احدى زواياه للإستراحة وشرب شربة ماء بارد من البئر ، كغيره من الأقارب
، والزبائن الذين كانوا يترددون على أخذ مبتغاهم من الحانوت ، وخاصة في أمسيات
الصيف ..
هي ذكريات بسيطة ، بساطة أيامهم تعاملا و تفاعلا
، لكنها أكثر رسوخا و حسا على الوتر الإجتماعي و الفني .. بعد رحيل ابن معروف ،
ورحيل رجل الأرحام اندثر هذا البئر و هذا الحوض و لم يبق حتى لأطلالهما أي رسم ...
ومن ابرز انجازاتهما (مسعود و محمود )على
مستوى الهياكل القاعدية الاجتماعية كما ذكر احد العاملين المساعد لهما :الأخ العيد
رمضاني ، مدرسة الهماشة التي ستبقى شاهدة و مشهودة على توأمتهما – فضلا – ( واندى بطون راح
)انها صدقة جارية مستمرة متواصلة ،ديمومة وميمونة ،وذخرا لهما في يوم الخلود.
ثوري بالفطرة
هو رجل ثوري بالفطرة بلا منازع ، هكذا عاش و
تحرك ، غاب و عاد يمقت الأوسمة الإصطناعية ، ويعرض عن المناسبات المظهرية ، الانتهازية
، الوصولية ، سلوكات التسلق .. تيار جارف ينسف كل ماهو جميل صنع بأيد نظيفة و نفوس
صادقة طاهرة.
فهذه الانتهازية شوهت ، و تشوه الحقائق ،
فالإستقلال تحقق بصدق جنان و سواعد كل أطياف الشعب ، أما الجني فقد طغى عليه
الإنتقاء الثوري و النضالي ، و غلبت عيه الشبهات و مطامع النفوذ ..
هي أفكار أصيلة ، و
متأصلة في كيان محمود سريرة و سيرة لكنها ظلت محل كتمان لا يبوح بها إلا لمن يراه
مشاطرا و بصدق القلب و المنقلب .
رغم حصوله على الاعتراف الثوري و النضالي ساهم و قدم ، بذل و أعطى إلا أن ذلك
جعله أكثر تواضعا ، واعتزازا بمرجعية ثورة نوفمبر العظيمة التي كانت ثورة كونية
ساهم فيها البشر و البقر ، الشجر و الحجر ، وبرعاية المولى - عز و جل –
محيو بن فجرة كي
يسند للشجرة و يعطي للعسكر نجرة
هو مقطع من أهازيج
نساء المنطقة أثناء ثورة التحرير ، إيقاعه ، ودلالته أبلغ في إبراز التلاحم
الملحمي الثوري كيانا و كينونة ، فكرة وحسا فنيا .
هذه وقفة متواضعة مع
ثورية محمود الفطرية لم يصطف وراء المصالح الضيقة ، ولم ينجرف مع تيارها تسللا
واقتناصا للفرص و الظرفيات بيعا و شراء ، و دوسا على الذمم ، لقد ظل بمنأى عن هذه
الأجواء العفنة إلى آخر رمق من حياته .
الهجرة إلى فرنسا
الهجرة إلى فرنسا
أثناء الإحتلال هي حتمية تاريخية جدلية ، و ضرورة إقتصادية سيرورة و صيرورة وفق المنحى التاريخي ...
إستراتيجية الإحتلال رأت في هذه الهجرة
احتواء وامتصاص لتنامي الحس الوطني الثوري ، ناهيك عن استغلال الطاقات البشرية في
تشييد هياكلها القاعدية ، وبنياتها التحتية .
محمود وجد نفسه ذات
يوم في فرنسا ، كالألوف المؤلفة من ابناء الجزائر على مستوى ربوع الوطن ، فرنسا
أرادت من هذه الهجرة كذلك نسخا و فسخا للهوية و الإنتماء الحضاري ، لكن القدر هيأ
لها الأسباب لتكون مناط إثبات للذات ، و إعداد لإرهاصات تقلب موازين العدو في عقر داره
.
يوم الهجرة الموافق
ل:17 أكتوبر 1961م ، بأحداثه و تضحياته على سبيل المثال خير دليل و أبرز برهان على
ذلك ، المرحوم ابن عبد القادر محمد سوفي من أبرز أبناء زوي الذين ساهمو ، وشاركوا
في أحداث يوم الهجرة .
أما الاستراتيجية
الأخرى التي اعتمدها الاحتلال ، و التي كانت كابوس فزع ، ورعب ، وتهجير للأسر
الجزائرية خارج الوطن ؛ التجنيد الإجباري الذي طالما كان شبحا يطارد أبناء الجزائر
، فصور الشاحنات العسكرية الفرنسية التي كانت تداهم التجمعات اسكانية لازالت راسخة
في أذهان الجيل المخضرم ، فكم من شاب ورجل يؤخذ عنوة من بين أهله ، ويلقى في هذه
الشاحنات تحت وطئة التهديد حراب المحتل ذكريات مؤلمة ، وأحداث مفزعة لا تقل عن صور
القتل ، و التصفية الجسدية الجماعية .
هذه هي حضارة المحتل
التي كان يتشدق بها في المحافل الدولية.
المحتل من خلال هذه الاستراتيجية
أراد كما يقول المثل " أن يضرب عصفورين بحجر واحدة " ، إرسال هؤلاء
المجندين إجباريا إلى الصفوف الأولى لحروبها الاستعمارية ، وكذا بالنسبة للحرب
العالمية الأولى و الثانية .
أما الثانية فالهدف المبيت واضح ، زعزعة
التركيبة البشرية للجزائريين و القضاء عليها ، فعودة المجندين سالمين ضرب من
الخيال .
سالم سعيدي بن
بلقاسم بن بوزيان بن عاشور ( 1917م ) أصيب بالشلل التام جراء الصدمة حين جاء خبر
وفاة شقيقيه (اثناء التجنيد الاجباري ) محمد ( 1912م ) و علي (1914م )، إلتجأ إلى
الداموس الكائن حينذاك في أرضهم الواقعة شمال مدرسة معوش غقال حاليا ، عبارة عن
شيه مساحة خضراء و أقيمت فيه خزنة الكهرباء ، نعم بقي في الداموس حزنا و أسى و أبى
أن يفارقه إلى أن رحل من هذا الوجود .
قصص العائدين من
جهنم حروب فرنسا الاستعمارية هي حياة جديدة بالنسبة إليهم " بصيود البح
" كان من ضمن هؤلاء حين يروي و يقص و يمزج بين الفكاهة و الجد .
قصة الفارين من
الحدود الألمانية إلى أن وصلوا إلى زوي ؛سعودي يامين بن عبدالله ، حامدي محيو بن
صالح ، سعيدي بوزيان بن بلقاسم المغامرة ، بل المغامرات التي عاشوها صورا و أحداثا
أقرب إلى مضامين الأفلام الحربية بامتياز .
في الحقيقة ..إن
المجندين إجباريا طوال مرحلة الاحتلال يستحقون عملا تاريخيا ، وفنيا – فضلا عن
عملية الإحصاء – و هذا كأبسط لفتة يمكن أن تصنع لهم نظرا للتضحيات الجسام التي
تعرضوا لها و لم ينسلخوا لا فسخا ولا مسخا عن هويتهم ، وانتمائهم الصلب المتين
للجزائر وطنا و شعبا وحضارة .
بل أبعد من ذلك فقد
وجدت ثورة نوفمبر في العديد منهم، وقودا و سندا لها حين تم تفجيرها، وهذا بحكم
الكفاءة العسكرية التي اكتسبوها أثناء التجنيد الإجباري، ففرنسا أرادت، و إرادة
المولى عز و جل أرادت.
و في أجواء أيام
الغربة و الاغتراب و ذكرياتها ، وأحداثها تأبى الكلمة الى أن تسترجع ذكرى فنية قبل
أن تكون اجتماعية نفسية ، يروي المغترب ابن عثمان أحمد عزيزي أنه في إحدى إقامات
أبناء زوي و غيرهم (النادي ) كما يطلق
عليه ، فأثناء العودة مساء من العمل ، و بعد استراحة قليلة و إعداد وجبة غداء الغد
، و تناول وجبة العشاء ، يقوم رباعي سعودي لأداء بعض أغاني الرحبية ترويحا عن
النفس ، ، و تخفيف عن غربة الاغتراب ، ومشقة الأشغال اليومية ، هي وقفة ذكرى تستحق
الذكر ، و الوقوف عندها إشادة ونشيدا ،يكفي و حسبها أنها دلالة على رسوخ و ثبات
الهوية التي لم تستطع المجريات ، والمغريات أن تنال من كينونتها بأي شكل من
الأشكال .
لم تكن هذه الأجواء
بعيدتا عن محمود ، فالاغتراب هوا الاغتراب، و الاحتلال هوا الاحتلال ،لقد اصطلى
بأثارها و تداعياتها معنويا أكثر منها
جسديا ، و قديما ضرب المتنبي على هذا الوتر ، مصورا مثل هذا النموذج الحياتي في
حياة الإنسان الذي يتجاوز الزمان و المكان والحدث .
إذا كانت النفوس
كبيرة **** تعبت في مرادها الأجسام
نهاية الرحلة
نهاية الرحلة مع
محمود أرادت الكلمة أن تدع سياقها مفتوحا بكل أبعاده للإثراء و الاسترجاع و في كل الاتجاهات
، و على كل المحطات ما دق منها و ما ظهر ،فالإضافات و المعطيات المتواصلة مع
تاريخه قد يكتب لتلتحق بما قدم ، و قيد كلمات ، وسطور ، و مفردات دالة دلالة قده و
جده في مستقبل الأيام حتى ولو كانت تقاطعا مع غيره من الشخوص الفاعلة أو البسيطة
في أي موقف من المواقف ، فهو جدير بكل صغيرة أو كبيرة ، هنا أو هناك أن تنتقل و
بكل فخر واعتزاز إلى الصرح الذي شيده بلبنات صلة الرحم ، فكان بحق رجل الأرحام و
كفى
و روافد المحطات الأخرى
في حياته تزاحم بعضها بعضا حضورا و تصدرا ، وكل واحدة منها تتطلع إلى المزيد من
أجل البروز و الحضور هو اعتزاز وامتنان بقيم الحياة حين يتقمصها نموذج مثل محمود
تمثلا و تشبثا ، تفاعلا و عطاء .
نعم هي نهاية مفتوحة
و ستبقى كذلك لكل مرتاد يحن إلى محمود و إلى أيامه ، ورصيده التاريخي .. و يبقى
الدعاء .. و الصدقة الجارية ، وذكر المناقب و و المحاسن هي العلاقة الحميمية
تواصلا و اتصال معه جيلا بعد جيل ، فإرثه وتراثه و ميراثه المعنوي حري بذلك ،و هذا
الإنجاز المتواضع ينضوي كجزئية بسيطة تحت هذا المعنى .
معالجة النص :
عبد الغاني محمود
مراجعة النص :
طه و مهدي
اختيار الغلاف تصميما ومعالجة و اخراجا :
طه و مهدي
المراجعة النهائية و الطباعة:
بن بوزيد حمزة
عبد المالك بن عباس




ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق