رحيلك يا عمر

 



الخلود وتخليد الإنسان .. من خلال عمل فكري، أو فني، طريق صعب، قد يصطدم بعقبات متباينة. تحول بين تحقيق ذلك .. لكن ماذا عسي للكلمة؟ .. للفكرة؟ إذا كان قدرها هو ذلك، وسبيلها من صمیم وجودها .. حتى إذا اقتضى الأمر جهدا .. ووقتا .. وهذا العمل الأدبي .. هو وليد هذه اللفتة قيمة و إعتبارا .. إحساسا وتفاعلا .. جهدا وأثرا.


 

الإهداء


<< بالثلاثاء ثلاثتكم أوستدم التراب عطرا حميدا >>
إليكم يهدي هذا العمل ..
المتواضع ..
إعترافا .. وتقديرا .. بمكانتكم .. وآثاركم ..
 
 
 

 

 

* خنشلة *

    خنشلة.. هي خنشلة.. بوزنها التاريخي القديم والحديث، قلعة من قلاع الجهاد المعاصر.. <<عباس>> رمز من رموز مجدها.. ونضالها.. وعشقها للحرية.. أدخلعا التاريخ من الباب الحضاري.. في زمن وصل اليأس إلى منتهاه.. وساد الإعتقاد أن الشمس قد غربت ذات يوم.. ولن تشرق. <<هذا قدرنا>>.. <<إنه المكتوب>>.. <<داول فلان وفلان.. وتلك المنطقة.. وتلك..>>، << ..فكانت النهاية.. المأساة.. >>

    حديث.. وأحاديث.. مفاهيم وأفكار.. تحليلات وتعليلات.. عند هذا الحد نقف..، عند كل ربوة مستها أعاصير الضعف.. والتلاشي.. تنمو.. تتكاثر.. تفرز.. تستميل.. إنه ؟۱

  وافتح أي مجال.. ودعه مفتوحا.. ممتدا إمتداد الحقبة.. فحركة التاريخ مستمرة.. تأبي القيود المفتعلة.. مالم تتنبعث من ذاتها. هكذا.. تبدأ الرحلة.. رحلته في الوجود.. في عالم الفن.. على صفحات قصة العمر..

    بعيدا عن هياكل التحدي.. بعيدا عن منابر الساسة، والسياسة.. وكواليسها. محطات التاريخ.. المواقف المشرقة.. المشرقة للبعد الحضاري.. سجلت هنا.. وهناك.. وهناك يصعب إحتوائها.. التعرض لها.. في وقفة.. في كلمات.. في لفتة عابره.. من كان يدري ؟!.. إنه هو بالذات..

    ستهدف أدبا.. وقصة.. في يوم ما.. ومن موقع إيحائي.. كان فيه السيد.. الأمر.. الناهي.. آهي معجزة من معجزات الفن ؟۱ بطل.. وبطولة.. أمر قد لايصدق.. حدث فوق الطاقة.. إستنطاقه يوحي بذلك.. رغم الحياء.. والتردد.. الست بالمتعجل.. في كلتا الحالتين.. لاأخسر شيئا.. البطولة.. أو عدمها سیان عندي.. إلا أن بريق الخلود يغريني.. فتراني أتطلع لأقدم نفسي دون قيد أو شرط.. لمن  ينقلني إلى تلك الضفة. إعتراف مشجع ! لاتسرع.. ولا تأمن صراحتي.. إلا إن كان هناك شيء تريد أن تحتفظ به لنفسك لاأقصد ذلك.. وإنما ماذا ؟ لا أريد أن أفرض وجودي فرضا، قد يلغيني فناء لك الحق.. ماذا لو نتفق ؟ على ماذا ؟ على أبسط منطلقات.. أولا وأخيرا.. أكره مصطلح الإتفاق.. تعني الإتفاقيات.. تماما..

 

يالك من..

    الاتكمل.. ترددك وراءه سر.. الاسر ولاشيء.. لفتة أفضي بها.. إنه لأول مرة أشعر بلذة الرضی.. والإرتياح.. قد تكشف بنفسك لما يسدل الستار عن آخر حدث.. لعل هذا اللقاء وراء ذلك.. إنها نشوة.. أحسد عنها.. قبل أن أغيب - الوتسمح- استفسر عن التوجه، أری - على الأقل- أنه جزء من حقي..

    <<الحب الضائع>>.. <<الطعنات>>.. << ساره >>.. << الأيام >>.. << حياتي >>.. الميل الفني قد يرشح الأول.. فليكن ذاك.. أو تلك.. حضوري ينتهي هنا.. هو البطل.. لاسواه والبطولة.. هو.

 


* مقره *

    مقره .. إحدى أوراقه من هناك.. من ذلك الفضاء.. وتلك الأجواء.. كانت محاولة لربط الحاضر بالماضي.. لكن ؟!.. وآخرها كانت جناسا تاما. * مقره.. كيف سيكون اللقاء ؟! أية ذكريات يمكن أن يتبدد سكونها ؟.. وجمودها ؟ فتنبعث من جديد.. مشرقة.. زاهرة.. أين نلتقي ؟.. ومن أين نبدأ ؟.. في عمق أعماقك صفحات.. لاندري كيف نصل إليها ؟ من يحدثنا ؟ من يروي لنا ؟ من يرافقنا في هذا المشوار المثير؟ من يعيد لنا تلك القصة كاملة ؟ قصة التهجير.. والهجرة، قصة الإبادة.. والفناء. الموقع.. التاريخ.. الزمان.. الأشخاص.. الأحداث.. منا الخيال.. ومنك الإيحاء.. منا الكلمات.. ومنك المعاني.. فليكن اللقاء سفرا.. رحلة للوراء.. عبر التاريخ.. إلى هناك.. عند الربی المنسيه..

 

 

* ومعذرة لأرباب البيان..

    عند مآثر تلك المعالم الخالدة.. عند كل شبر من تلك البقعة الطيبة.. بأنسها.. وحيوانها.. وكائنتها.. وجمادها.. وطبيعتها.. وفضائها الواسع الرحب. حيث الحركة.. والحيوية.. والنشاط.. والعطاء المستمر.. التشبث بالذات.. بالهوية.. بالأرض.. بالقطعان.. بالمراعي.. بالسنابل.. رمز الاباء والتحدي.. ورفض للخنوع والخضوع.. وفي ظلال تلك الأجواء الآمنة.. المفعمة بالحياة النابضة.. يقف التاريخ.. وقفة من وقفاته.. ليفسح المجال للمصير المنتظر.. لذلك الصباح.. صباح القبيلة المترامية الأطراف. الكل فيها.. يتأهب.. يستعد.. كبارا وصغارا.. نساء ورجالا.. فتيانا وأطفالا.. الإستقبال نهار جديد.. للقيام بما هو مطلوب.. القطعان شرعت في التحرك للتوجه إلى المناطق المعتادة.. إيقاع منسجم.. تزهو له الطبيعة وتحتضنه. البساطة.. الكرم.. الشهامة.. النخوة.. قيم تنموا.. ويرفع شأنها في كل لحظة..

    من خلال التكافل.. والتعاون.. والإيثار. السعي الصادق أساس البنية الإقتصادية.. الضرائب التي لاتنتهي.. الولاء والتعامل مع العدو.. سياط القياد والأذناب.. ثالوث يشكل هاجسا.. يقلق الجميع.. صور الإضطهاد.. والتنكيل.. ترد يوميا.. فتزرع في النفوس كل صنوف الأسى.. والألم. << أيام عصيبة.. ومستقبل عسير.. سيزرعونها محنا.. ورزايا..>>.

    تحدث أغلبيتهم.. في جلسة البارحة.. تحليل.. وتعليل من ذا.. ومن ذا.. إقتراحات من الآخر.. والآخر.. إلا هو لم يزد حرفا عما قال.. وركن إلى الصمت. لم يغادر تلك الصبيحة مصلاه.. افتقدوه.. تداولوا التساهل.. ماله ؟ آبه شيء ؟...

    في فصلي الربيع.. والصيف.. يعشق الخلاء.. يبكر ممتطيا جواده.. يتجه إلى حيث تقوده خواطره.. تارة يزور تلك القبيلة.. او الأخرى.. او إحدى الأخريات.. وتارة يسيح فسحة وتجوالا.. على إمتداد تلك الربوع.. متأملا.. ذاكرا.. داعيا.. راجيا.. متضرعا إلى الخالق أن يفرج الكرب.. ويعينهم

    ويرزقهم الصبر والثبات.. وحسن الخاتمة. ماله ؟.. مابه ؟ أحاسيس غريبة تجتاحه بين الفينة.. والأخرى.. يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم.. ومن كل وسواس من الجنة والناس.. غادر فراشه على إثر حلم هزه.. رأى فيه مارای.. إنه المصير.. البلاء.. نطق.. وحدث نفسه.. من هذا الفارس القادم ؟.. في مثل هذا الوقت .. خيرا يارب ! الأنظار تتجه إليه.. الحركة بدأت تخفت.. الكل لزم مكانه.. وجمد فيه.. ماإن ترجل وأزال اللثام على وجهه.. إنه سالم.. من قبيلة.. ماالذي جيء به ؟ وفي مثل هذه الساعة المبكرة.. أين الشيخ ؟ أخذوا يتوافدون على المكان.. الاندري.. ربما مازال في خيمته..

    يقبل.. سالم.. خيرا إن شاء الله.. يإيني.. السلام عليكم.. وعليكم السلام ورحمة الله -تعالى<< الشيخ حمدان.. يبلغكم السلام.. ويعلمكم أن وجهته هذه المرة أنتم.. فكونوا في الموعد.. متأهبين.. مستعدين.. وإن مالنا واحد.. >>

<< قل لن يصيبنا الا ماكتب الله لنا، هو مولانا، فنعم المولى، ونعم النصير>>

صدق الله العظيم

    الأنظار مركزة على الشيخ.. القلوب تخفق.. اختصار المواقف.. بث الهمم والعزائم.. سمات اللحظة.. ودون إنتظار.. إنطلق يخاطب بصوت مرتفع... << يابني.. يال.. لسنا الأولين.. ولا الآخرين.. فكم.. وكم.. بالأمس القريب.. سمعتم.. ومنكم من رأى.. وشاهد أنهم لايرحمون.. ولايعرفون عهدا.. ولا ميثاقا.. لكم القرار أولا وأخيرا.. أنصحكم أن ترحلوا.. تفرقوا.. انتشروا جماعات ووحدانا.. أما أنا.. استحلفكم بالله.. أن لاتأخذوا بما عاهدت عليه نفسي.. لن أبرح هذا المكان.. حتى وإن خيرت.. لن أختار إلا سواها...>>. أراد أن يكمل.. تقاطعه الأصوات.. ترتفع.. يصرخون...يجهشون بالبكاء..

 "في كل شيء لك السمع.. والطاعة.. إلا في هذه.. إلا في هذه.. تكبيرات.. وتهليلات.. زغاريد.. تملأ المكان.. تأكيد على القرار النهائي.."

    الشهادة.. الإستشهاد.. العزة.. الكرامة.. فليقبلوا.. وليقدموا.. متى شاءوا ؟ وكيفما شاءوا ؟ سنريهم من هي مقره ؟! يلتفت إلى سالم.. يشد على يديه.. بلغ حمدان والقبيلة خالص تحياتنا. يبكي.. يلقي بجسده على الشيخ.. يحوطه بيديه.. يشده ويضمه إليه.. يسترسل في النحيب.. کفی یاابني.. يربط على كتفه.. لم نخسر.. ولن نخسر شيئا.. ستذكرنا الأجيال.. سنعيش أحياء خالدين.. ليجر الزمن.. ولتختصر المسافات.. ولتختزل.. وليكن مايكون.. مقره في إنتضاركم أيها الأوغاد.. مقره في إنتضاركم أيها الأوغاد.كانت تلك همسات النفوس في أوج لحظاتها.. وتفاعلاتها. وحل الليل.. وفي حكم القضاء.. كانت آخر ليلة في عمر القوم.. لم يركن للنوم سوى الأطفال.. وتنازلوا * أحداث النهار أعيتهم.. ففرطوا في لعبة العصا.؟ الا.... لم ينم.. سهاد.. وقلق.. وضجر.

 

    ماهذا الصخب ؟ وماهذا الضجيج ؟ الكلاب تنبح.. تتجه.. تجري صوب الصوت.. يزداد نباحها.. إنه ازير السيارات المصفحة.. والمدرعات.. شوشرة.. غبار يعلو.. الرؤية لم تعد واضحة.. المنطقة بكاملها.. تهتز.. تضطرب.. يافلان..ويافلان.. من ؟

أنا.. أنت..

    ألا تستحي.. هل بقت فيك ذرة من الكرامة ؟! قلبي عليكم.. قلب فرنسا.. القائد يريد لكم الخير.. مصلحتكم هي مصلحته.. قل مصلحتها.. اشفقوا على صغاركم..

    عجبا.. الشيطان يأمر بالبر.. اغرب من هنا.. اسرع.. اذهب إلى أسيادك.. كي لا .. فرنسا.. هي فرنسا.. قوم عزل.. في العراء.. تحشد لهم ترسانة الفناء.. تعدادها بتعداد أفراد القبيلة... فوهات تصوب.. مدافع تنصب.. قذائف توضع.

     إشارة من القائد.. غدت الأرض نارا.. وغبارا.. والسماء جحيما.. ودخانا.. تطايرت الأشلاء هنا.. وهناك.. اختلطت أرجاء البقعة وبما فيها.. الإنسان.. الأرض.. الحيوان.. الجماد.. الأشياء.. فكانت بحق.. صورة للتلاحم.. والإلتحام.. أثبت.. ويثبت فيها الكون.. أحقية أصحاب الحق.. والأرض. الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر.. إنه يصرخ.. يستغيث.. ينادي بصوت خافت.. شيء يضغط على أنفاسه.. رغم الجراح المثخنة.. تجر نفسها.. تمتد يدها.. علها تزيل ماوقع عليه.. تحاول..

    تواصل.. والألم يشتد عليها.. يمزقها.. آه.. يإيني.. لو تراك عيونهم.. أو يسمعون صراخك.. لتكونن في تعداد.. تشجعي.. اضمدي جراحك.. حاولي أن تتسللي به خفية.. قبل أن يعسعس الصبح.. محاصرتهم المنطقة.. لاتثني عزيمتك.. رحمتك.. عونك يارب.. الأسند لنا سواك.. تجري.. وتهرول.. ولسانها لايتوقف عن الدعاء.. والتضرع.. عثر عليها في العراء ضحى.. وقد أغمي عليها.. والطفل بجانبها في سبات عميق.. فحملت.. ولما استفاقت.. راحت تردد.. مقره.. مقره.. أين أنا ؟.. أين أنا ؟..

    بالشرق.. الشرق الجزائري.. في منطقة عين البيضاء.. الحراكتة.. هكذا رد عليها.. مجموعة من النساء محيطة بها.. كل واحدة تريد أن تتولى أمرها.. بدلا من الأخرى.. خدمة وعناية.. لاتشغلي بالك.. ولاتنشغلي بأي أمر.. قالت إحداهن..

    صحتك أولى.. نطقت الأخرى.. اسبوعان مرا.. الصمت.. الدموع.. الزفرات.. الأهات.. التنهدات.. الأحد يريد أن يفاتحها.. حتى تسترد قواها.. ماحدث لقومها فوق كل حديث.. وتعبير.. إنها المأساة.. المحنة.. محنة الإبادة.. والفناء.. إنهم لايحصى لهم عدد.. ولايعرف لهم أثر.. العدو أحكم حصاره على المنطقة.. كي لايتسرب الخبر.. فينتقل.. الناجون ارسل وراءهم عيونا من بني جلدتهم حتى يترصدون خطواتهم..

    جاء.. بذلك.. الذي أرسل لتقصي الخبر.. ومعرفة ماذا حدث.. اخبروها.. قولوا لها.. إنك بين أهلك وعشيرتك.. جراحك جراحنا.. ومأساتك مأساتنا.. وجرى الزمن.. وازداد ليل العدو.. شراسة وحديدا.. وزاحمت الأحداث.. والوقائع.. بعضها بعض. ونمى الطفل.. وترعرع في أحضان بيئته الجديدة.. واشتد عضيه..

    على مر الأيام.. فغدى الماضي بالنسبة إليه هو الحاضر والمستقبل.. كن كما.. وكيفما شئت.. في أية بقعة من بقاع هذا الوطن العزيز.. الدور واحد.. والمهمة واحدة.. والجهد واحد.. والتطلع للمستقبل واحد.. تلك هي المعاني والعبارات.. التي كانت تجري على لسانه في كل موقف.. ومقام.. وشاء القدر.. أن يرزق.. مايحيا به ذكره أصولا.. وفروعا.. وأحفادا.. فيتناثرون هنا وهناك. أحدهم استقر به المقام.. وطابت له الإقامة بخنشلة المدينة الوسط.. فكان التاريخ.. وكان العطاء.. وكان العمر والأثر.. إحدى فلذات كبده.. هو.. بطولة ووقائع.. فلتعبر الرحلة إليه.. حيث الأحداث.. إلى عالمه.. لتعيش.. وتحيا ماسيكتب لها أن تعيش وتحيا.. لها الحرية الكاملة.. المطلقة.. عددا وتنوعا.. بقاء وتنقلا.. استنطاقا وسردا.. انتقاء وعرضا

* * *

 

* وكان الرحيل *

    بد أخشى أن أرحل من هذا الوجود وخالد لازال صغيرا.. آه لولاك الحطمت كل قيد .. يحول بيني وبين صدى أعماقي. ماذا عسى أن أفعل ؟.. يقولون أنك نسخة مني.. طفولتك.. وطفولتي.. تشهدان. معان وعبارات.. خواطر وأفكار.. كلها رموز وإيحاءات.. يرددها في مواطن ومواقف شتى.. إنه أدرى الناس بها.. بعمقها.. بأبعادها.. تعقيباته على محدثيه حين يستصغرونها.. حين يقللون من شانها.. وأثرها، يشكل من الأشكال.. إبتسامة.. فكرة.. إنصراف.. إلى سواها.. يؤكد ذلك. من حقه أن يعقب.. أن يرد بقوة.. إذا اقتضى الأمر.. أن يذهب بعيدا في الإبانة عن ماذا يدور في أعماقه.. في عالمه. أليست هي المرحلة الأخيرة من قصة العمر؟ مرحلة سبقتها مراحل.. عاشها لحظة.. لحظة.. بکی وتألم فيها أكثر مما إبتسمت له الحياة.. سبح في خضمها.. وتجاوب مع كل مثير.. حاول مرارا أن يوحه التيار.. أن يسنده .. شفقة وهمة.. عسى أن يتحقق.. عله

    يصل للشاطئ.. قدم وأعطى.. ساهم وحضر.. قال وعمل.. دون مقابل.. دون خلفية..كان همه.. ومبدأه.. بسيطا.. عاديا.. بساطة الحياة في لحظة تجددها.. واشراقها.. أن يفهم.. ليس إلا.. إنها.. وعندها ترسو معالم القيم.. قيم الجمال والعطاء.. التوافق والإنسجام.. اللباقة والأناقة.. إذا ذكرت ترى كيانه يهتز.. بركان يزحف على شتات اعماقه.. فلا سبيل حتى للإفضاء.. والفضفضة.. وإذا حاول.. يتذكر فيتوقف.. يكفي.. مخافة أن يحدث العكس.. فيلتجا إلى الصمت.. إلى الإنطواء.. إلى الإمتصاص.. إلى المعاناة.. أن يعاني أجدى من أن يصطدم مرة ثانية. آلم يحدث ذات يوم ؟ فعلا.. حدث.. فعانق الحياة عناق الخلود.. إنها ورقة من تلك الأوراق.. ورقة لم تعمر.. أفلت قبل أن يستوي اشراقها ويمتد . البطولة.. تتساءل.. أي عالم يأويها ؟ أحية تسعى ؟.. أم ميتة تبعث ؟ هل للذكرى سبيل ؟

    ألف وقفة.. ووقفة عندها.. إنها هي.. لغة الإحتمالات.. منطق الفرضيات.. الايكفي شغف.. الإطلاع.. المعرفة.. التحديد.. ولو يكن بصيصا من الأمل.. تمده.. وترافقه رحلة الخيال.. والتسائل.. أقوى وأسلم من التملص.. الفرار.. المرور العابر.. إنه میل... قد يقال إنحياز.. مرحليا يصعب التبرير .. كذا التعليل..

ماذا لو أخذت قسطا من الراحة.. فأنت في أشد الحاجة إليها ؟ إنه وعد.. حتى وإن كان عهدا وموثقا.. صدقني.. لاحيلة لي.. ولامسرب.. كل شيء ممكن.. التداعي يحاصرني بشتى صنوف الضغط.. ركام الأحداث تتفاعل.. تفرض.. تريد أن تحيا.. الإرتباط مصيري.. القياس الزمني لايخضع لأي إعتبار.. في مثل هذا الوسط.. وسط تموجات الإيحاء.. وإيماءاته..

ألم يحن العبور ؟ إلى أين ؟ طبعا إلى عالم الأوراق.. أم هناك وقفات أخرى ؟ لا أجزم بذلك.. إنها الحقيقة الملازمة للتفاعل.. في حوزتها الحسم.. التسهيل.. أو الإرهاق صعودا..

 

  

* ثلاثاء القبر *

    ثلاثاء القبر.. هي ثلاثاء القبر.. بقضائها وقدرها.. بحكمها وحكمتها.. إليها تتجه الأحداث.. تتسابق.. ألم تعد جزء ا من الرحلة ؟.. من الذكرى ؟ ذكرى الجرح والألم.. ذكرى الشجن والأسى.. الوالد يغادر هذا العالم.. بغتة.. زاره الألم صبيحة الجمعة.. واشتد عليه.. فنقل بعد الصلاة إلى مستشفى المدينة.. واستدعى الفحص أن يوجه إلى مستشفى باتنة.. أعيد إليه مرة ثانية.. فقضى فيه ليلة.. فكانت بالنسبة إليه ليلة نابغية.. فمن طبعه يكره أبسط القيود.. وفي كل أمر. الو.. الو.. بسكرة نعم الو.. وصل.. هل هو هناك ؟ من ؟

    لا.. غادرها عائدا منذ ساعة تقريبا.. وشاء القدر أن يرحل الوالد.. في وقت أعتقد الجميع أن حالته قد تحسنت. وصل.. الأبواب موصدة.. أحدث ؟.. يغلق أبواب السيارة.. يتجه مباشرة راجلا.. لا أحد من أفراد العائلة في الطريق. ما إن وصل إلى الزاوية المطلة على البيت.. حتی شاهدهم واقفين.. جالسين أمام البيت.. كاد أن يتوقف على السير.. رجلاه تقويان على حمله.. خمسون مترا.. تفصله على الجمع.. وصعودا.. كيف يقطعهما ؟! خطواته تهتز.. الصمت يحاصره.. ماذا سيقول ؟ بماذا سينطق ؟ الأنظار تتجه إليه.. حتى الأطفال جثموا في أماكنهم واجمين.. وأبصارهم معلقة به.. ليتك لم تسافر.. رغم إعتدال الجو.. ولباسه العادي.. سروال وقميص نصف الذراع.. كان العرق بتصبب..

    الأسى.. والحزن على وجهه يكادان ينطقان.. يصرخان.. يمكن المكان بكاء وتحسرا.. لم بنتبه حتى شعر بأحدهم يسلم عليه معزيا. لحظات لم ينساها.. فكلما تذكرها بعد ذلك.. أعقب ذكراها.. بالآهات.. والزفرات.. الكثير من الأقارب.. والأصدقاء.. يعرفون جيدا.. ويقرون بما يكنان لبعضهما.. مواقف كثيرة في تاريخ حياتهما.. تشهد.. فكان في ميزان الحق.. نعم الوالد والإبن. وسار مع الجمع المشيع.. وأوسد التراب.. بعد صلاة الظهر من يوم الثلاثاء 03 سبتمبر 1990م. سبتم إنه لأب.. لأخ.. لصديق.. لرجل من الرجال.. كل الذين عرفوه من بعيد أو من قريب.. وخالطوه مخالطة الجوار.. والصداقة.. والمعاملة.. يشهدون له بكل خصال الشهامة.. والكرم.. والرجولة.. والشجاعة، حديثه كان لايخرج عن هذه المحاور .. يكره لغة المناسبات.. والإهتمام بالظواهر.. واكب أحداثا تندك لها الجبال.. شاهد ورأي..

    عاش واكتوى.. بکی وتألم.. ثار واستبشر.. مجاهد بلا وسام.. ثوري بلا شهادة أوبطاقة.. إبنه.. استشهد.. احتسب أمره عند الله.. رفض أي مقابل.. ومن أي جهة كانت.. وتبرز العواطف.. تأججا وتفاعلا.. وتتجسد وتتجلى في مواقف شتی.. وعبر مراحل مختلفة..

     فحفين حل موعد التوجه إلى البقاع المقدسة.. ومنذ أن أعلن عنه من ضمن المتوجهين.. ازدادت مشاعره تجاه.. نظرة تقدير وإستبشار كانت في عينيه كلما نظر إليه أو جالسه. أأهناك إحساس مماثل ؟ للوالد في هذه المرحلة.. عندما يرى ويشاهد

    خلفته تسلك درب الفلاح. واقترب الموعد.. يوم قبل.. لم يكترث بوجود بعض الأقارب.. يأبى أن يغادر أو يغيب عن الشارع السرمدي لحظة.. إلا للصلاة.. من البيت إلى المحل.. يجلس هنا.. او هناك. وحين يشاهد غاديا أو رائحا.. يسرق نظراته إليه..

    ويقترب.. فيسأله عن موعد الإنطلاق.. فيرد كذا وكذا.. يخرج ساعته ينظر إليها.. ينصرف إلى ذاته ذاكرا داعيا.. وأقبل الليل.. فأقبلت معه الحيرة.. حيرته.. إلحاح شديد يدفعه.. إنها الرغبة.. أن ينام هذه الليلة في حجرته المعتادة.. بيت العائلة.. ليكون قريبا منه.. فيتسنى له مرافقته عند أي طارئ في الوقت يحدث.. لاتقلق.. إطمئن.. يحدث نفسه.. الجميع يؤكد.. موعد إنطلاق الحافلات على الساعة السابعة صباحا. توجه إلى بيت أحد أبنائه.. والساعة توشك أن تدق معلنة منتصف الليل. أوي إلى الفراش.. حاول أن ينام.. لم يستطع.. أطلق عنانه.. للتفكير.. للخواطر.. للتأمل.. ظل يتقلب في مكانه.. ومن حين إلى آخر.. يشعل الإنارة.. لمعرفة الوقت.

    سرى الخبر.. بعد صلاة الصبح.. أن موعد الإنطلاق على الساعة الخامسة.. ولضيق الوقت.. دخل إلى بيت العائلة.. مسرعا ومودعا.. تذكروا الوالد.. فأرسلوا حفيدا له.. ليأتي به..

    وجده جالسا على كرسي.. متأهبا.. وساعته في يديه.. دون أن يكمل اخباره.. خرج مسرعا.. مهرولا.. وعند إقترابه من الحافلة... المحه بين الناس فنزل.. ليودعه.. ماإن صافحه.. وعانقه.. حتی اغرورقت عيناه وامتلاتا بالدموع.. دموع الوداع.. والبشري. مواقف.. تذكره.. فيجهش.. فيبكي.. أبي أن يفارق المكان.. أو يصرف نظرة عن الحافلة.. التي تقله.. وعند إيقلاعها راح يتبعها ماشيا.. رافعا يديه.. مبایعا.. مودعا.. ولما اختفت.. وغابت عبر شوارع المدينة.. عاد وجلس بين الأقارب.. ولكي يخفي تأثره.. أخذ يروي لهم.. ويعيد قصة توجهه إلى البقاع المقدسة..

    بدأ العد التنازلي.. للأيام.. للفترة.. يمر.. يتناقص.. فتراه يحدث من يلقاه من الأقارب والأصدقاء.. هو.. هم.. اليوم في كذا.. وكذا.. وحل يوم العودة.. غادر فراشه مبكرا.. رجوعه -كما علم- يكون صباحا.. وبقرب المحل جلس.. جلس منتظرا.. مترقبا.. وكله لهفة واشتياق. وتصل السيارة.. ينزل.. يلقاه مسلما..مهنئا.. وتتجدد الدموع.. دموع الفرح والغبطة.. دموع الرضی والإطمئنان.. فيتذكر.. يلتجأ إلى الخالق.. رب العزة.. داعيا.. شاكرا.. حامدا... وتطول المواقف.. ويصعب حصرها.. أو إحصائها.. وعن المواقف الدقيقة.. ذات الطابع الخاص.. لاتسل.. ولاتهدر جهد المحاولة.. فالتسلل إلى عالمها مستحيل.

    جرح الوالد لم يلتئم.. الأم.. الوالدة.. طريحة الفراش.. الخوف من تجدد جزع سبتمبر.. يغمر الوجوه والنفوس حيرة.. وكآبة.. حياتها هي حياة هذا الوطن.. بأحداثه.. بذكرياتها.. بالمراحل المختلفة.. رغم قوة جسمها.. وصحتها.. إلا أن أثر الأحداث المؤثرة.. انعكست عليها.. قلت رؤيتها في السنوات الأخيرة.. فصارت تميل إلى الصمت.. والهدوء.. والمواضبة على أداء فريضة الصلاة في وقتها.. صبورة.. مسالمة.. إلى درجة أنها تتنازل على أدنى و أبسط حقوقها.. كزوجة.. كأم.. كجدة..

    تتجنب أسلوب الإحراج.. حتى وإن كان مع أقرب الناس إليها.. إنها من طراز .. قلما يتكرر.. يأخذ من الدنيا مايبلغ الله أكبر.. << فسبحان الذي بيديه ملكوت كل شيء وإليه ترجعون >> لامرد لقضاء الله.. الذي كان يخشى منه.. تجدد.. وعين الحكمة كأن رحيلها أبي أن يكون إلا على إيقاع رحيل الراحل.. توافقا.. وإنسجاما.. وموعدا.. اليوم.. التاريخ.. الوقت.. الثلاثاء الثالث ديسمبر 1990م..

* * *

فرحمة الله عليك أيتها الأم الوقورة..الودودة..

ورحمة الله عليك أيها الوالد الكريم الشهم..

* * *


    << ها قد رحلا.. فالدور الآتي علينا >> نطق بذلك على إثر تنهيدة كادت أن تمزق أعماقه.. ومرت الأيام.. وتسابقت الليالي.. وطويت صفحات.. وفتحت أخرى. وإذا بالثلاثاء تتجدد بأثر فوق كل قدرة.. وإحتمال..فكان رحيله غير عادي.. زمانا.. ومكانا.. وأثرا.. فالعبارات تنتهي عند هذا المعنى.. والفكر يقف عند هذا الحد.. شوهد قبل سفره بيوم.. أي يوم الجمعة 1993/02/12م.. قلقا.. مضطربا.. لايكاد يستقر في مكان حتى يغادره.. وبشهادة أقاربه.. والكثير من أصدقائه.. وجيرانه..

    وجاء يوم السبت.. فركب السيارة التي هي من نوع بيجو 5.. ليتجه إلى الجزائر العاصمة من أجل جلب البضائع.. طلب منه شقيقه الأصغر << ر >> أن يذهب ه و بدلا منه.. فرفض، فركب إلى جانبه ليرافقه.. فأبی وأنزله.. وأنطلق بالسيارة.. فكانت تلك اللحظات الحوارية مع شقيقه.. هي آخر لحظة له.. وتلك مشيئة القدر.. يسافر فيها دون وداع.. بلا عودة ولارجوع.. وجاء الخبر ليلا.. حادث وقع له.. ودون إنتظار إلتحق به شقيقاه.. وعند معاينة المكان.. نطق أحدهما.. << نجاته معجزة >>.. وحسب الشهادات المختلفة.. وكذا التقارير المؤسسة حول الحادث.. بعد ذلك.. انه.. << بتاريخ1993م/02/  13.. على الساعة 20.. >>

    وقع حادث مميت للمرور.. على الطريق الوطني رقم 05 عند الحجرة الكيلومترية 134 + 600 م..بجسر وادي زیان، تسبب فيه المتهم (س/ أحمد) - بلدية العطاف ولاية عين الدفلة - بالشاحنة المجرورة بمقطورة من نوع فولفو المسجلة تحت رقم 04761-584-44 ، المقطورة تحت رقم 44-885-02632 مؤمنة لدى الشركة الوطنية للتأمين، وكالة العطاف، ملك للمسمى (ب/ يوسف ).. وكان يسير بالدرجة الخامسة قادما من الجزائر بإتجاه سطيف.. والأمطار تتساقط.. وعند وصوله إلى المكان المذكور أعلاه.. اصطدم بالسيارة من نوع بيجو 5.. القادمة في الإتجاه المعاكس.. وقع الحادث ونتج عنه وفاة سائق السيارة بمستشفى باشا بعد يومين متاثرا بجروحه. وحسب الدرك الوطني.. أن أسباب الحادث هي سرعة الشاحنة.. والأمطار تتساقط.. والسرعة محددة ب 50 كلم في الساعة.. >> ا.ه وحسب شهادات الشهود الذين عاينوا الحادث بعد وقوعه.. حيث تم التعرف عليه.. لأن المسافرين كانوا على متن حافلة انطلقت من مدينة خنشلة..اخرج من وسط السيارة بعد جهد جهيد.. نظرا للإصابة الشديدة التي تعرضت لها السيارة.. بعدها.. حضرت سيارة الإسعاف فنقلته إلى أقرب مستشفى.. الا أن الأمر اقتضى أن يحول مباشرة إلى مستشفي باشا.. وبعد ساعات.. وهناك.. جلس بجانبه أخواه.. وراح يحدثهما عن تفاصيل الواقعة.. أمام تسارع الأحداث.. وضيق الوقت.. وطبيعة برتوكولات المستشفى.. يصعب على المرء معرفة الخيط الأبيض من الأسود.. مهما كانت درجته المعنوية.. وامكاناته التركيزية..عاد الأخ الأصغر.. إلى خنشلة.. حاملا معه الإطمئنان.. فأستبشر الجميع.. وعادت الإشراقة إلى الوجوه.. وطلعت شمس الإثنين وأغلب الأقارب في بيته، صياح.. وصراخ الأطفال.. هنا.. وهناك.. عند صعودهم.. وهبوطهم.. غطى تلك الأحاسيس التي كانت تجول في أعماق الكبار.. العياء.. السهر.. ظاهر على ملامحهم.. الكل.. فكره كان مشغولا بعودته..متى يعود ؟ رؤيته قبل كل شيء، قبل التفكير والتحليل.. والتعليل.. قبل أية إبتسامة وفرحة.. قبل أي تساءل.. واستفسار.. وتعليق.. << ترستكوتاي >> ستغني حين يعود.. يالها من لحظات ! في عمر الزمن.. في عمر الحياة.. في عمر الأهل والأقارب.. رن الهاتف.. الهاتف يرن.. بكاء.. ونحيب..<< إن لله وإن إليه راجعون >> ماشاء الله كان.. وما لم يشأ لم يكن.. تلك حكمته في الوجود.. فالله الحمد في الأولى وفي الأخرى وكان المقام هم المقام.. دموع وحضرة..

    حزن وأسی.. ذكرى وحنين.. أيام.. وأحلام.. لهفة ولوعة..اشتياق واحتراق..<< فلتبك خناسات الراحل فهو جدير بدمع يفتت الحجر والحديدا >>الكل تألم، صرخ، منلم يبك عمرا فقلبه من صخر ونقل جثمانه من المستشفى.. يوم الثلاثاء..1993/02/16م.. وبعد صلاة العصر أوسد التراب.. وتلك لفتة قدرية..

<< بالثــــــلاثاء ثلاثتـــــكم أوســـــدتم التــــــراب عطــــــرا حمـــــــيدا >>


 

* عالم الأوراق *

    خوض عالم الأوراق.. يبدو.. فوق مايتصور.. تخيلات.. تخمينات.. استنتجات.. اعتبارات شتى.. قد تحول بين قرائتها.. استنطاقها.. رفع الستار عنها.. بعثها للوجود زمانا.. ومكانا.. وأشخاصا.. وأحداثا.. . وقد لاتسمح الا بشكل يكون غير مرضي.. ولا يستجيب.. تحريك خيوط الإثارة حولها.. أفضل من لا.. هي خمسة.. والسادسة ؟ الغرض الفني.. والقراءة الفكرية.. ليس إلا.. لاتقلق.. الأمل الفني سيظل قائما.. يترصد ويرصد.. كل لمحة.. إشارة.. لفتة.. وقفة.. اطلالة هنا وهناك.. عبر أحداث متناثرة.. متشابكة.. متفاوتة الأدوار.. والأثر..خواطر مثيرة.. مسايرتها أمر لا مفر منه.. رغم.. أتعقيب أم تحليل ؟.. إن شئت قل الحقيقة.. بل الحقائق..التعامل معها وفق المعطيات الفنية.. في بعض الأحيان عواقبها غير مضمونة.. والنتائج لاتقبل منطق الأعراض بحكم كذا.. بداية عسيرة.. فعلا.. حيرة يضاعفها القلق.. المستمر.. عوائق.. وعقبات.. تجاوزها بشكل متوازي يستدعي إلى صبر.. وطول نفس.. في مستوى الأحداث.. تلقيا.. ونقلا.. حسب الإيحاء.. والتداعي.. الحوار.. تقصد اللجوء إلى الحوار.. طبعا.. محاورة الأوراق بشكل من الأشكال.. فكرة.. لكنه قد يفرض قيودا غير متوقعة.. تكون على حساب القيم الجمالية.. والفنية.. والقصد أبلغ من محاولات التحديد.. إعتماد الرمز في مواطن الإثارة.. سبيل لتجنب.. قل الإحراج..ربما..إنها المشكلة.. العقدة.. التي يصعب حتى الإقتراب منها.. في غياب السند...

    الرافد.. آثار سابقة.. حرج السؤال والتساءل.. << التحديد الزمني.. والترتيب للأوراق >> أي لغز هذا ؟ أن كان لديك ما.. لاتنتظر لحظة.. وفر لنا الوقت.. وجنبنا العناء.. الكل يعيش لحظات ال... التفاعل.. الرضا.. الفرص المواتية قلما تتكرر.. إذن أنت مصر.. الوفاء يحدوني.. وطبيعة الأحداث تستهويني.. أصدقك.. قد يطول الإنتظار.. الترقب.. البعد الزمني غير وارد.. خطوات مشجعة.. أشعر بالخجل تجاهك.. لأني عاجز على الوقوف معك.. مؤازرا.. عارف أن المدخل صعب.. أشاطرك هذا الشعور .. لكن لاتهتم.. قد يصادفنا بصيص ينقلنا نقلة غير منتظرة.. البطولة كلها ثقة وتصميم.. افسح المجال لها.. دعها تلقي بثقلها في كل جهة.. في إمكانها أن تحقق العبء.. أن تثير وقوفا.. وعرضا..

    مایری محرجا.. ثق.. بل أبشر.. بوادر الإنفراج في الأفق.. كم هي جميلة.. وسعيدة تلك اللحظات.. لحظات المد.. والإمداد.. انسحابها على كل المواقف.. أمر ثابت.. كيف وهي في عالم الفن.. والفكر ؟! عطاء فريد من نوعه.. وفضل لايعادله فضل..أقتنعت..بأقصى مايمكن.. من أين تريد أن نبدأ ؟ بل تبدأ.. هي.. أبهذه السرعة ؟ اعتقد الجميع.. يتطلع.. يرنو».. يتلهف.. يتمنى.. فليكن عمر الأوراق.. هي النافذة التي يطل منها على عالمها.. ثلاثة عقود.. الستينات.. السبعينات.. الثمانينات..بما فيها.. ومالها.. وماعليها.. شهدت ماشهدت.. وعرفت ماعرفت.. نشوة الإنتصار.. شعب يصنع تاريخه.. بالإيمان والقوة..لغة المرحلة.. ومصطلحاتها.. المستقبل.. الهجرة.. عوامل كانت وراء اللإستقرار.. التوفيق بين واقع من خلال نموذج مجتمع حديث الميلاد.. يكتفي بما هو موجود.. ولا تهمه الإعتبارات الأخرى.. مهما كانت قيمتها..وآثارها..وواقع عالم العواطف القديم الخفقات.. العميق الميولات.. قدم وعمق

    حياة الوجود.. رفقا.. ومهل.. فهذا الإيقاع متعب.. لايطاق.. أو تدمع.. ماذا أفعل.. الحديث عنها.. يثير الأشجان.. يحرك الأحزان.. يسيل الدمع.. عبر التاريخ.. عانت.. ولازالت تعاني.. عقبات الإختيار.. هي عقبات الإختيار.. الرفض.. هو الرفض.. لم يتغير شيء.. رغم أنه حتى في لحظة اشتداد حمي الوطيس.. والرصاص يدوي.. وباصيقات الردى تصعد وتنزل.. كانت القلوب تخفق.. وتخفق.. << ولقد ذكرتك و الرماح نواهل مني وبيض الهند تقطر من دمي >>

    أراك مندفعا.. ثائرا.. نقدا و.. أليست هي الحقيقة.. هكذا عوملت العواطف.. ولازالت.. أتأكيد هذا ؟.. اقرار.. أتصحو أم فؤادك.. أين نحن ؟ نعمة ونقمة أرخوا.. إنهم يسألون عنه.. كم من مرة ؟ وحين يعرفون حقيقة رحيله.. يضربون على كفيهم.. تعظيما.. للأمر وتحسرا.. فتنهال عليهم الذكريات.. من هنا ومن هناك.. إنه كان كذا.. وكذا.. والتقينا في ذلك المكان.. إنها صفحة.. صفحات يزخر بها الوجود.. التذكر.. التذكار.. لايكفي.. أفواج.. وأفواج.. من جيله.. من أترابه.. رضخوا.. للأمر الواقع.. ذابوا.. اندمجوا.. كانت أعماقه وآماله أقوى من الواقع.. حاول مرارا أن يوفق بين كل الطروحات.. والأفكار.. وما يبدو.. ويراه الطرف الأخر

    منطقيا.. انعدام القراءة الصحيحة لأفكاره.. الأماله.. الإحساس بما يسري في أعماقه.. ترتبت عنه اهتزازت في العلاقات.. في الرؤى.. وفي خضم تسابق الأحداث واشتدادها.. وتشابكها.. برزت في الأفق فكرة الهجرة.. إلى ماوراء البحار. شعر بأهميتها.. ولو مرحليا.. متنفسا.. ودافعا للإطلاع في الوقت نفسه. فكرة الحظارة.. مؤثراتها.. غير واردة.. عدم إستقرار العالم.. بؤر هنا.. وأخرى هناك.. أدى إلى غياب تحديد المواقف.. في المفاهيم أو التطلعات.. ماذا عن الورقة الأولى ؟ كانت.. وغدت.. رغم الأثر.. النتائج من صنف المنطلقات.. والموضوعية سيدة الموقف.. والإحتكام إليها ظل معلقا. في تلك الصبيحة.. صبيحة الشتاء ألقى نفسه في دار المهجر.. فرنسا.. ضمن المئات والألوف.. اليد العاملة.. إصطلاح جني عليه.. بين واقع موضوعي.. فاستغل.. واتخذ..كورقة ضغط ومساومة.. وابتزاز.. أهلا بك في بلاد.. متى قدمت ؟ المهم أنني في باريس.. كيف تركت الوطن ؟ جراح عميقة.. رغم نشوة الإنتصار..لكن الخوف من القرارات المرتجلة تقلق أولى النهي.. وأنت.. حاليا لأستطيع أن أسبق الأحداث.. أو أبت في أي أمر.. حقيقة.. هنا كل شيء يبدو قائما.. الشغل.. المعيشة.. الرفاهية.. حتى المغامرات المختلفة.. الفتوة قصصها لاتنتهي.. أفي رأيكم هذا هو الأسلوب الأمثل ؟.. ربما.. لكنه السائد.. ولاننسى الإغراء.. الحرمان.. آه.. وآه.. بالأمس ثرواتنا.. واليوم بسواعدنا يبنون مستقبلهم..من لايعرفك يصنف ضمن التأطير الثوري.. وهل الثورة حكر إلا على المتشدقين بها.. فعلا هو الحق عينه.. وتمر الأيام.. أخذ تدريجيا يتصل باليئة الجديدة.. يتعرف.. يخالط.. يطلع.. يمارس.. يعمل.. يتجول.. رصيده اللغوي سهل له عملية التعامل والإتصال.. عقدة << مرکب النقص >> يتعجب.. ويتحسر على تأثر أغلبية المهاجرين منها.. ومن مختلف الجنسيات.. سلوكاتهم.. تصرفاتهم تشهد.. لماذا الصمت.. التجاهل.. اللامبالاة.. اخفاء الحقائق.. أليست هي السبب الأول والأخير ؟ الجهل.. الفقر.. التخلف.. الإستغلال.. رعيل التحدي والسلاح والتضحيات.. تعب لكنه يصمم.. نوفمبر رسالة.. لها مستقبل.. الجنيدي خليفه ذكر بها.. المدارس تشهد.. الأمة من المحيط إلى الخليج.. تتطلع إلى الجزائر.. المسؤولية ملقاة على عاتق الأجيال الصاعدة.. مستقبل نوفمبر لايمكن أن يتحقق..

    التساهل والتهاون في حقه.. خيانة ليس للتاريخ فقط بل للوجود.. لابد أن يتحقق مستقبل نوفمبر.. لابد من تحقيقه.. رسالة السجين سند تاريخي.. اما.. وإلا سيقدر الضياع الأبدي.. فترات تمر عليه.. يشعر فيها بتوتر شديد.. يهتز كيانه اهتزازا عنيفا.. صراع الأفكار.. وتطاحنها.. التبعية أخطر من كل ماهو أخطر.. إنها تفرض رأي الآخر ولو كان بالقوة.. الغريب يتحدثون عن الإنصاف.. لقاءات التعاون.. يجهزون عليها. ويحبرون خطب التأبين. ، منطقيا.. أن يحدث الإنصاف.. منهم.. منها.. عملا لاقولا.. من قال ؟ لا أحد ينكر الجوانب الموضوعية.. الحركة العلمية.. احترام القوانين.. النظام.. اتقان العمل.. الإعتناء بالمحيط.. هي أخلاقنا هاجرت قبل هجرتنا.. نطق بها ذات يوم..الإمام محمد عبده - رحمه الله - بالضبط.. هو.. صدع بها في وقت كانت ثقة الأمة بنفسها.. مضطربة.. الجلسات الحوارية.. تفرض نفسها.. طبيعة الأوضاع في ديار الغربة، وفي الوطن.. حتى عالميا.. يضفي طابع الجدل في كل أمر.. الذاكرة وراء ذلك.. وتعاقبت الفصول.. وهو كما هو.. أفكاره هي أفكاره.. أعماقه هي أعماقه.. العودة.. دافع ملح.. فكانت.. المدينة.. لم تتغير ملامحها.. روتشات طفيفة.. شتان بين.. الذنب ليس ذنبهم.. المعجزات قد تتحقق إذا توفرت الإرادة الحضارية.. مر أسبوع.. الأهل قلقون.. تلميحات الوالدين مقصودة.. وأعماقه هي أعماقه.. نموذج الإستقرار لم تتضح معالمه بعد.. إقتصاديا يصعب تحديده.. عوامل التغير في البنية الإجتماعية.. والمادية قائمة بشكل لايسمح حتى لأبسط تأمل.. وتفكير.. لتبني أو إتخاذ موقف ملائم في الوقت المناسب.. أخشى إصرارهم كما أخشى رفضي..رأي بقية الأهل.. لايختلف عن رأي الوالدين.. وحتى الأصدقاء..محاولة.. واقع.. لعله قد يثمر.. صرح بذلك على إثر جلسة عائلية..

 * عقبها شرع الأهل يتحركون.. يسألون.. يسافرون.. يكررون الزيارات..

وهبت نسمات ذاك الأصيل.. لتلك الأمسية.. لتبارك قدومها..

 

    عمت الفرحة.. طرب الجميع.. دمعت عينا الوالدين.. فكان المقام مقاما.. احست أن حياتها اختصرت في تلك اللحظة.. وأن أيام الشباب.. والعمر ..والربيع.. والحب.. والآمال..  هي هذه الأيام.. ليت الإنسان يعيش ولو مرة واحدة.. وكله ثقة وأمن وعطاء.. وجرت الأيام.. بخطى سريعة.. استحوذت على الإهتمامات.. والرؤى.. والأحاسيس.. ولم تدع فرصة لتحديد مايمكن تحديده.. الحياة تحت الشمس.. تبدو مستحيلة.. والكل يريد أن يتجاوز الزمن.. المراحل.. أن يكبر.. كأني به غاضب.. ومتحسر..من ؟

     ليتنا لم نكبر.. ولم تكبر البهائم. الثورية.. والخطب الرنانة.. هكذا أرادت.. وهكذا تبنت.. إحساس غريب.. يضعط على أنفاسها.. كيف يفسر ؟ الخوف من الغد.. من المجهول صمته.. تفكيره.. تلميحاته.. توحي.. عن قريب سيعود إلى فرنسا. وأنا.. هذا ماكتب لنا.. أهذا هو النصيب ؟ لا.. لا.. لايمكن.. مجرد تفكير أوخاطر.. سيصطدم بالواقع.. و أنا.. أنت.. أنت.. وهو.. هووالواقع هو الواقع.. كم يؤلمني هذا الواقع.. مهما تظاهرت.. بالرزانة.. بالهدوء.. لاأقوى.. لا أحتمل.. أأصارحه ؟ أن يتراجع عن السفر.. أمنعه بأي حال من الأحوال.. وليكن مايكن.. عبثا تحاولين.. الأوضاع ليست في صالحكما.. أبسط قرار.. أو موقف.. سيولد ميتا..

    وقفت مع الأهل.. تودعه.. وهي تحاول اخفاء دموعها.. والنار التي تشتعل في أعماقها.. كل خلية من خلايا جسمها.. تريد أن تصرخ بأقصى صوتها.. أن تسمع كل من حولها.. ماذا أفعل يارب ! ليتني أستطيع أن أسافر معه.. لنخوض جنبا إلى جنب الدرب الذي ينشده.. وأنا.. لايهمني.. أنا.. ليتني أستطيع أن أختزل الزمن.. فلا أفتح عيني إلا وأمنية العمر.. ماثلة أمامنا.. قائمة.. ثابتة.. مشرقة.. إني لاأطلب المستحيل.. ولا الكثير.. إنه شيء من الصبا.. شيء من القلب.. شيء في الأعماق.. ولا ينكر ذلك إلا جاحد.. أو متعمد.. انتبهت على إثر غياب طيفه.. فشعرت برعشة تزلزل كيانها.. فهوت إلى الأرض.. وراحت تخنق أعماقها.. مانعة اياها .. من الصياح.. من البكاء.. من النحيب.. آه لو كنت لوحدي.. لأنفجرت !

    لوضعت حدا لحياتي.. ماقيمة المرء حين لايستطيع أو يعجز على أن يعيش الحياة التي يريدها..كان ذلك آخر مانطقت به.. ويشاء القدر أن ترحل.. أن تغيب مع غروب الشمس.. عن ذلك المكان الذي شهد أغلى لحظات العمر.. ولظروف قاهرة.. أقوى من كل موقف.. وفكرة.. أفلت.. كما جاءت وأفلت سواها.. لكنها هي الورقة التي لو كتب لها.. لكان الخلود مآلها.. ومرتقاها.

    لم يستطع أن ينام.. ولاحتى أن يغمض جفنيه.. خرج إلى الشرفة المطلة على الشارع.. استسلم لرحلة الخيال والفكر.. قلب كل صفحات الماضي.. أحداث.. وأحداث.. انتبه على إثر خطوات قادم.. إنه أحد جيرانه العائد من العمل.. مالك ؟ يا... << كليني لهم ياأميمة ناصب وليل أقاسيه بطيء الكواكب >> غربة الروح.. غربة العقل.. غربة الفؤاد.. غربة الجسد. حاول أن توفق..امكاناتك وقدراتك تؤهلك للإستقرار الذي تريده.. إنها الحقيقة التي رأيتها فيك.. ولست مخادعا.. الا هذه.. ماذا تفعل هناك ؟ ماذا أفعل ؟ المنطقة معروفة.. امكانات الإستثمار متوفرة.. آلاف الأميال تبدأ بالخطوة الأولى.. أنصحك بالتريث.. في هذا إطمئن.. الفكرة والقرار كانا على دراسة و إقتناع.. اذا الأياب قريب.. التكن مشيئة الله.. كم أنت شجاع في إتخاذ المواقف المناسبة.. الأيام علمتنا الدقة.. واهتبال الفرص..

    وفي مدينته.. لم ينتظر لحظة.. الوقة من.. أخذ يبحث عن نموذج استثماري يليق به.. وابتسم الحظ.. وسيق له. استثمار بحمام الصالحين.. مع شريك.. << فندق، مطعم ومقهى >> أقبل على ممارسة النشاط بكامل قدراته وامكاناته المادية والمعنوية.. فأعطاه من نفسه نفسا.. فتحقق التكامل بين أجواء الإستجمام.. والسياحة.. والحركة الإقتصاية..

     فكان الإقبال فريدا من نوعه.. وصار المكان مقصدا للقادمين.. والعابرين.. والسياح.. وحتى من الجنسيات المختلفة.. وفي أجواء هذا النشاط الدؤوب.. كانت أعماقه تنتفض من حين إلى حين. ركام الذكريات.. يستوقفه.. يلوم وحدته.. حاجته إلى سند يأوي إليه.. يشاطره همومه.. ويقاسمه ثقل المرحلة.. أكثر من أي وقت مضى.. وتتحرك الأيام.. وتستجيب.. فيتم اللقاء.. والتلاقي.. فكان ذا طابع خاص.. ونكهة مميزة.. آماله كبيرة.. كبر إحساسه بالوجود..بالحياة.. التعلق بالمستقبل أعطى له دفعا قويا ليواصل.. سعيا.. بحثا.. عطاء.. حظورا.. ورغم هذه القدرة الفعالة.. والتفاعل المؤثر.. فكثير مأعطى الفرص تلو الأخرى.. للتوفيق بين مختلف الطروحات.. النظرية منها والعملية حتى وإن كان على حساب مايراه صحيحا.. وبديهيا.. ولايحتاج للتحليل أو التعليل..لكن الهوة تزداد يوميا.. وكبر حجم التناقض.. والتصادم.. برغم التشبث الذي مافتئ الطرف الآخر يبديه سرا أو علانية.. استماتة وتصميما.. المجتمع عادة لايرحم في مثل هذه المسائل.. واللجوء واعتماد كل الوسائل والأساليب.. من أجل البقاء.. والإستمرار.. والديمومة.. ودون مراعاة لأية مقاييس.. أو موازین.. أدى إلى نسف كل شيء.. فهوت مع أعاصير الشتاء.. تاركة خلفها رصيدا من الذكريات.. من الأحلام الجميلة.. ويشاء حكم الله في هذا الوجود.. أن تعيش يوما..وبعد سنوات - لحظة لم تقدر لسواها.. أن تحضرها.. أن تعيشها.. وتلك لفتة !.. جلست واجمة.. صامتة.. والدموع تنساب من عينينها كينبوع حديث الظهور.. وفي أعماقها ذكريات دامعة.. بكاء ونواح.. جراح وحسرة. ومن أمامها أمها.. دامعة وعلى لسانها ثناء.. وتقدير.. وإعتراف بخصال الراحل.

    وتذهب الشتاء.. بأعاصيرها ورعودها.. بأمطارها وثلوجها.. ويقبل الربيع.. فتجدد الطبيعة.. والحياة.. كما يتجدد الشباب.. والعمر.. فأقدم على إحداث تغيير في بعض الأمور ذات النمط الإجتماعي.. باع سکنه السابق.. وشرع يبني في سكن جديد.. وفي وقت قصير إنتهت الأشغال فيه.. وصار مجهزا.. مأثثا.. مهيئا للحياة الأسرية.. فكان الغرض واضحا.. والأمل باق.. بقاء الإنسان في هذا الوجود.. ويشهد شتاء 86 قدوم ورقة أخرى.. وفي البيت الجديد تربعت في أجوائه.. ومن نعمة الله تعالى - وفضله- يرزق طفل.. فاختصرت حياته في براعته.. فرأى فيه حكاية العمر.. والشباب.. والذكريات.. فملأ حياته.. اشراقا.. وابتساما.. وعطاء.. ولشدة تعلقه به.. كان يخشى عليه من الرحيل وهو صغير.

* * *

    أراك مستلقيا وفي استرخاء تام.. كأنك في راحة.. أو عطلة طويلة المدی.. صف كما شئت.. لقد تم العبور..البحر الأبيض المتوسط.. بل بحار العالم أجمع.. لاتعادلها.. أتريد أن تدخلني في دوامة أخرى ؟ أنها الأوراق.. الأوراق.. أين هي ؟.. أريد أن أعرف.. اطلع.. ليس الآن.. بحق الكلمة.. أخبرني كيف تم ؟ الفضل يعود لها.. والسادسة.. سندعها تقول ماتشاء..

* * *

 

    تلك هي ملامح رحلة الأوراق.. عبر العقود.. الثلاثة.. بأحداثها.. وملابساتها.. بخصوصيياتها.. وتفاعلاتها.. وكما عبرت عبر هذه الرحلة.. فإن أيام عبورها كانت أياما.. منها من غاب.. وانقطع أثرها نهائيا.. وعن موقع ومضرح الأحداث.. وعلامة الإستفهام.. والتساءل.. ستظل قائمة.. حول أي عالم يأويها.. وفي أي مكان من هذا الوجود يحتضنها.. ومنها من لازال طيفها ماكثا في الموقع.. أو عن كثب منه.. تعيش.. أو تهزها الذكريات من حين إلى آخر.. كلما كانت هناك اثارة أو تردد.. أو تذكر.. اما هي.. الأدبية.. والشاعرة.. والأمل.. إنها الفكرة.. والنموذج الذي ظل يحدوه ويدفعه للحياة.. طوال رحلة العمر.. لازمته في حله.. وترحاله.. لم تدعه أو تفارقه لحظة.. فطالما تحدث على لسانها.. وعبر عن أحلامها.. وآمانيها.. لم تتأثر بالأحداث.. ولا صرفتهاهزات المراحل عن الخلود.. فهمته أكثر من سواها.. وفي بعض الأحيان أكثر منه.. وتلك هي المعضلة التي غابت على الإدراك.. والتقدير.. فانقلبت الموازين....مالك توقفت ؟ أهو الفراق ؟ أم وجهة أخرى ؟ لاادري أشعر أنها غير راضية بهذا الحضور..لعل لديها ماهو أبلغ من.. فعلا.. حضورا مباشرا..

     الخلود .. فهمته أكثر من سواها .. و في بعض الأحيان أكثر منه .. و تلك هي المعضلة التي غابت على الإدراك .. و التقدير .. فانقلبت الموازين .. ما لك توقفت ؟ .. أهو الفراق ؟ .. أم وجهة أخرى ؟ .. لا أدري .. أشعر أنها غير راضية بهذا الحضور .. لعل لديها ما هو أبلغ من .. فعلا .. حضورا مباشرا ... ولم لا ؟.. من حقها أن تبدي .. أن تثير ما هو جدير بالإثارة ... بالإشارة .. إن كانت قد فرضت وجودها عبر رحلة العمر .. فهي أولى أن تعبر عن ذاتها .... عن حقيقتها .... بالإيحاء و الإيقاع الذي يروقها .... ذرها تبدأ من أين تريد ؟ .... فجرحها غير الجراح .... قدر لها العناء الأبدي .... و تلك لفتة تتجاوز كل تحليل .. و تعليل .. عاشت مجرد فكرة لم تعانق الواقع ..رغم المحاولات التي حدثت .. لكن في كل مرة من تلك المحاولات .. تصدم .. و تصطدم.

    معذرة الانتظار .. و التقدير .. و اعذروني ..... ولا تلوموني ... إن فضلت الصمت .. والإعراض.. رغم أني قبل لحظات ... كنت في أتم الإستعداد للمكاشفة ... للمصارحة ... للحديث ........ لكن ما حدث ... أخذ مني .... الكلمات ... العبارات ... سلب مني الفكر ... و الأفكار ... جعلني في موقف الحيرة ... و القلق ... حتى التساؤل ... و الاستفسار ... خشيت منه ..... و القصة ... هي القصة ..... الشارع السرمدي ..... الساعة الخامسة .. مساء .. الإثنين 7 أوت 1995 أمطار غزيرة ... سيول جارفة ... تملأ الطرقات .. خلل في محطات و قنوات تصريف المياه .... انسداد ... و شدة ضغط .... أدى إلى اتجاه ... و تسرب المياه إلى الأعلى ... فلا الاسمنت ... ولا البلاط حال بين ذلك ... فكان محل عالم الكمبيوتر ... بمکاتبه ...... وآلاته ... و أوراقه ... عرضة للتلف .... و أوراقي لا تسألوني ... عنها ... أوراق تلك الرحلة الأدبية .. الشعرية ... كانت فوق أحد المكاتب القريبة ... تنتظر بعثها .... إلى النور ... إلى الحياة ... و كان محددا أن يشرع في إعدادها توافقا و الدخول الإجتماعي ... لكن السيول أتت عليها و جرفتها ... و ربما أنها هناك في الخلا متفرقة ... و ربما بقايا منها تئن تحت شدة وقع الصدمة ... منتظرة لم شملها .. و شتاتها .. و تضميد جراحها و أنا ... ما أنا ؟ ألست هي هذه الأوراق ؟.. ألست هي الورقة السادسة ؟ كما كتب علي أن أنعت ... بروحها و كيانها .. بآمالها و أحلامها.. بأحداثها و زمانها ... بإيحاءها و تطلعاتها .... بعمقها و أبعادها .. فلا ابتسامة بعد إلا حين أرى .. و أشاهد أوراقي جميعها ... قد بعثت للنور ... للحياة ... للخلود ... للتخليد .. إن كان سواي قد أخذ نصيبه من الدنيا .... ولا زال يأخذ ... فنصيي من الدنيا هو هذه الأوراق ... فلا تحرموني الحياة . الكلام واضح ... و الإلحاح شديد .. و البطولة هي المستهدف ...

لقد حسمت التوجه ... و قطعت في الأمر ... فلم تدع أي محال للتعقيب ... للتريث ...... الكلمة أولا و أخيرا ... ها .....

*

كلمة

    الخلود ، و تخليد الانسان .. من خلال عمل فكري، أو في طريق صعب، قد يصطدم بعقبات متباينة .. تحول بين تحقيق ذلك لكن ماذا عسى للكلمة ؟ .. للفكرة ؟.. إذا كان قدرها هو ذلك، و سبيلها من صميم وجودها، حتى إذا اقتضى الأمر جهدا و وقتا دون تداعي الأفكار، و استرسال العبارات ... العمل الأدبي الذي فرض علي أن أهيأ له ... الأسباب التي تجعله يبعث - بضم الياء - إلى النور ... هو وليد هذه اللفتة قيمة و اعتبارا ... إحساسا و تفاعلا ، جهدا و أثرا ...

    ويبقى الحكم أولا و أخيرا له - أي هذا العمل - حين يرى النور ... حين يكون كتيبا إلى جانب الكتب و المؤلفات المصنفة على رفوف المكتبات ... هنا ... أو هناك ... ساعتها يمكن لقارئ ما ، أو أول متقن، مطلع ، عليه أن يصدر و لو أبسط حكم هكذا .... أو هكذا ..... و استباق الأحداث ... تحليلا و تعليلا.. قراءة وتقديرا..وفي مثل هذه المواطن ضرب من اللا..مقتن

    و ما يمكن الإشارة إليه .. أن هذا الجزء قد أعد سابقا، و قم من أجل طبعه ، لكن ما حدث لنسخته - كما ورد ذكره - أجله، وقد سبقت مشيئة القدر كل حکم ... فاقتضى الأمر أن يدبحا معا ... دون مراعاة لأية خلفية أو منهجية ... رغم أن الأول كان مجرد فكرة عابرة ... خطرت أثناء إعداد هذا الجزء ....

    أخيرا ... معذرة ... للقارئ ... للمطلع ... و بتواضع فهذا العمل بشقيه ... خلفيته ... هو أثر لتفاعل المشاعر والأحاسيس نحو حادث رحيل عزیز ..... فغدا رحلة أدبية ، قصصية ، شعرية ...... جنبا إلى جنب مع رحلة الألم و الأسى .... و هي التسمية التي رأيتها ... و أراها ملائمة .. و مناسبة " رحيلك يا عمر " و قد يرى غيري العكس فهو جدير بالتقدير و الإحترام ....

المؤلف 

    وقفة بعد هذه الرحلة ... ماذا يمكن أن يقال ؟ .. عنه ... عن صاحب هذا العمل المتواضع ......... فعنه كما يصعب التساؤل .... يصعب التحديد ...... فبحكم القرابة .... و التلاقي المستمر ... في المناسبات .. و غيرها ... كان رحيله بالنسبة له ... ذا أثر خاص .... دمعة العين ..... و دمعة القلم ..... عناء الفؤاد ..... و عناد الشعر ..... حسرة النفس ..... و شقاء الفكر ..... ألم الفراق ..... و حرقة الرحيل ....... و كل تعبير ... أو وصف ... أو تصوير ... يبدو عاجزا... فطبيعة الوقفات الشعرية ... تاريخا ... و مكانا ....... أبلغ .... و خير شاهد .... و الشهادة للحق ... حاول مرارا - وطوال هذه المدة - أن يتملص من هذا الموقف .... الإيحائي .... الأدبي ... على أساس أنه مهما كانت قيمة

    الأثر الأدبي ... أو الفني ... حتى و لو استغرقت ... سنين ... لا يمكن أن ترتقي إلى مستوى قيمة الراحل.. إلا أن قوة أثرها ... وعمقها ... و أبعادها ......... فرضت عليه أن يخوض غمارها ... رغم مشقة الطريق .... و قلة البضاعة

افتخليده أدبا ... سبيل لا مرد له ... و ذلك كأبسط جميل ... يمكن أن يقدم للراحل .....

    أما عنه -أي الراحل- فمن باب الحقيقة ..... و من منطلق حكم خاص مرتكز على معطيات تشكلت من خلال القراءة الأدبية لرحلة العمر ... " أنه كان دائما يتمنى أن يعيش الحياة التي تنبض في أعماقه .... لا التي يشاهدها من حوله ... و نتيجة لهذا المبدل ... عان كثيرا ... و تألم كثيرا ... مع نفسه ، لأنه لم يستطع أن يحقق ذلك ... و مع أقرب الناس إليه ... إنه لم يفهم - بضم الياء -

ولا حاولوا فهمه ... على الأقل للتخفيف من أثر هذا الموقف ....
" لكن و آسفاه قضى العمر
يعزف لوحده فلا الوجدان وجدان"

    و دون مغالاة ... فكل وصف ... أو خلق ... أو شيمة ... فهو جدير به ... و الأيام شهدت ... و العارفون له من مختلف الفئات ، من الأقارب ... و الأصدقاء ... و المتعاملين الاقتصاديين ....... يشهدون بذلك ...... و بإيقاع موجز ... ندع الشعر ... يقتطف .... و يترجم ... و يجسد ....

 

عمر الإنسان لم يكن من صنف يمضي هباء

بل كان صفوة نغم و جیل

عمر الغريب عشت وحيدا و رحلت وحيدا

فلا أحد فهم أمرك من أمر

عمر الأب

خالد يداعبك و أنت ترمقه

بحنان يفيض

حبا و ودا

وتسأله أنبقى هنا أم نبحث

عن عالم يضاهي حلمنا مجدا

 

عمر السند

اسألوا العارفين به فقد كان

للأهل و الخلان درعا وسدا

عمر الكادح يشد الرحال ، يطوي المسافات

رحلة تزاحم رحلة انطلاقا سعيه لم يوجد التلهو

به الأهواء عبثا و سدی وقد شيد بكد و کدح

و فنی فيه جسد و نهی

 

عمر العابد مسجد ابن باديس ماذا تروي
و ماذا تذكر في رحابك صلى باكيا و الفجر لا تسل ، لم يحل بينه
و بينها صقيع و لا حذر هده هذا و الحج سيسأل عنه و يفتقد
خطواته حين تشد في الزحام شدا
عمر القدوة
صارع الحياة في كل موقف
فكان لها أجدر و أقوى ندا
زاحم الأنداد بقوة فما
أقعده وهن ولا صده ونی
 

    تلك وقفات شعرية ... تصور ملامح ... و أبعاد شخصيته التي مهما كانت البراعة الفنية ..... و القدرة الشعرية ... لا يمكن أن تفيئ بحقه ... و إنما عطاء أردناه خلودا ... و تخليدا ..... و الفضل أولا ... و أخيرا ... يعود إلى روحه السلسة ... و نفسه الأبية ... و تاريخه المشرق.. و سيرته الخالدة ...

    وقبل أن نفسح المجال للايقاع الشعري ... يمكن أن نسجل ملاحظتين ....إذا كانت كل المعايير ... الأخلاقية ... و الانسانية ... و القانونية... يتجاوزها الحدث ... و في غياب مقياس صحيح ... يقدر الأمور تقديرا موضوعيا... وفق مستجداتها، و ما ملابسات رحيل الراحل، انطلاقا من الحادث ... إلى نقله إلى المستشفى ... إلى وفاته ... إلى مجريات الأمور بعد ذلك ... إلا شاهد واقع ... على عجز تلك المعايير ... إما تجاهلا ... أو انعداما

 إلا أن للكلمة موقفا خالدا ... خلود الحق في هذا الكون، و هذا ما أردناه ... و نريده من خلال الملاحظتين :

    الأولى : يتساءل العقل ... و المنطق ... و الانسانية ... بصورة كلها استغراب ... و تعجب ... وقع الحادث... ورحل الراحل ... و هو بعيد عن أهله ... و أقاربه ... و أصدقائه ... و لم يتحرك المتسبب فيه ... س-أحمدولا مالك الشاحنة بيوسف ... من أجل مشاركة أهل المرحوم في فقيدهم ... مواساة ... و تأسفا ... و على الأقل مراسلة ... ولا نقول حضورا ... و تلك وصمة لا ندري ... كيف تتحدد ؟! و مهما كانت الأعذار

    الثانية : تتعلق بمستشفى باشا ... فالقاعدة المتعارف عليها قانونا ... << المتهم بريء ما لم تثبت إدانته ، لكن نظرا للمعاملة التي تعرض لها المرحوم ... أثناء نقله إليه ... و بناء على شهادة شقيقه ... فهنا يحق أن تعكس القاعدة القانونية 

<< المتهم مدان ما لم تثبت براءته » و الأمر متروك للإستفهام ... للتاريخ ربما يوما ما ... و للشعر لديه ما يقول تصويرا ... و حكما

*

 

صهراه

 صهراه رحيلك لم يبق

اللحياة شدو ولا تغريدا فارقتنا بغتة و كأن القدر

اختارك شهما هماما صنديدا بالثلاثاء ثلاثتكم أوسدتم

التراب

عطرا حميدا وكان الرحيل فتبعته ذكريات

تفيض حنينا و تردیدا ستبقى الأيام تحيي

ذكراك أنغاما و تخليدا و القلم و الحرف يرصدان

الإيحاء تسجيلا و قصیدا ماذا أقول و جرحك هز

كل الناس حتى البعيد البعيدا

  

التقوا جميعا مأتما و دموعا

وقيل ما قيل كان سيدا عميدا فقيد الثرى طيب العشرة

يهوى الحياة عاشقا سعيدا فكانت التجارب الستة يعجز

لها النغم إبداعا و نشيدا فلتبك خناسات الراحل فهو

جدير بدمع يفتت الحجر و الحديدا قالوا خالد نسخة إذن

سيكبر وهم الرحيل شديدا و يقرأ القصة و الأوراق الستة

بروح تهوى جديدا تليدا

زوي، الثلاثاء 1 رمضان 1413 ه

23 - 2 - 1993 م

 


أقوى ندا

أقوى ندا أهلت يا رمضان و للرحيل تتأهب

وعمر لم يراك و قد أعد لك عدا و الحج سيسأل عنه ، و يفتقد

خطواته حين تشد في الزحام شدا و الفجر لا تسل ، لم يحل بينه

و بينها صقيع و لا عذر هده هذا أبعدك يستمتع أو يستلذ

بلذة زائلة أو تطلب مدا أهكذا تختصر حياته في لحظة

وقد ملأ الدنيا كدا و جدا اسألوا العارفين به ، فقد كان

للأهل والخلان درعا و سدا

صارع الحياة في كل موقف

فكان لها أجدر و أقوى ندا

خنشلة ، الجمعة 4 رمضان 1413 ه
26 - 2 - 1993م



أي فؤاد

أي فؤاد أي فؤاد ينساك يا عمر

أو لا يبكي عليك طول دهر عشت وحيدا و رحلت وحيدا

فلا أحد فهم أمرك من أمر ادعاء الحب و الوفاء لا تلم

فالهيام في زماننا حبر على حبر " مصطفى باشا " أربعون ساعة

ما تحرك ساكن إلا كبر على كبر

أنى للحق المهدور أن يذهب

سدى بتحايل مهنة أو نكر ما دريتم أن الذي حل

بينكم جريح

طالما خاضها شرقا و غربا

و أعواما قضاها بين بعد و هجر ساقه القدر ليمتحن فما

أحسنتم فحصا و لا جس صدر فالحر لا تهده النوازل و إنما

حين تكون طعنة ظهر شله كطفل صغير لا يقوى

على حراك أو رد أمر وستر و استبشر الجميع، طب عصري

ا وما دروا أنها ثقة بلا فکر هيهات أن تمحي الأيام

خبر الإثنين ، ولا ثلاثاء قبر

الكل بکی، تألم ، صرخ ، من

لم يبك عمرا فقلبه من صخر

خنشلة ، الجمعة 11 رمضان 1413 ه

5 - 3 - 1993 م


سلام عليه

سلام عليه زمان التصابي و التجاني ولی

فعمر لم يدع للفؤاد مراحا معاقل الأحلام و المني تداعت

و شاجت أرجاؤها بکاء و نواحا لمن تطوى المسافات بعد

و تجاب الآفاق سعيا و سیاحا لمن تهرع الأوراق الذابلة

إذا مستها الأحداث جراحا

لمن تروى النكت و قد غاب

من كان يجيدها فكاهة و مزاحا لمن تذكر المكارم ، و الشارع

السرمدي يشهدها نخوة وصلاحا المن تنشد < تريستكوتاي > وقد

وعدت بها حين يقوم مستراحا سلام على أيام و أيام كانت

للأهل و الخلان عطاء و انشراحا سلام عليه في قيامته الصغرى

و سلام علينا حين نلقاه فلاحا و مما لمح هذه الفراق

ولم يعد يرى أو يلمح أفراحا

زوي، السبت 19 رمضان 1413ه

13 -3- 1993 م

 

 

 

 

 

صفحا بغير لوم

 

صفحا بغير لوم

 عذرا يا خل لربك

نفــــــــس و شـــتات فؤاد      انفـــــــجار الــــــركام زارني

على غـــــــير موعد و میعاد      فالحــــــــياة بعــــــد عــــــمر

شـــــــجی و دمع بلا نفاد       راعـــــــــته أيـــــــام خلت

خوفا و رهبة من يوم التناد        فأقبل على حياة الإيــــــمان

يعانقها بهدى و رشــــــــاد        مســــــجد ابن باديس يشهد

و الصوم و الذكر بلا تعداد         لم يعرض يوما عن ذي حاجة

ولا عن موقف خیر باد

 ليت الرحيل أمهله حتى
يكمل ما اختاره عن سداد صفحا بغير لوم فالعمر
جحيم بلا أمل و وداد

زوي ، الخميس 24 رمضان 1413ه

18 - 3 - 1993 م



الخلود

الخلود تسألني هل من قصيد فقلت ؟..

ركام يتكور ، سیفیض و لا ينضب         وقع الأحداث شدید و وقع

الرحيل أشد، فلا ينسى ولا يذهب       أحــــــلام و أمان كانت تموج

عطاء حاديها إيمان و مکسب

بغتة حل بها مصاب جلل

فلم يجد نواح ولا دمع يسكـــــب       حرقة تســــري في الأنفس ألما

فلا مأكل مستساغ و لا مشرب    الشـــــــــــــارع السرمدي حزين

وحزنه لا حيلة له ولا مســـــرب      خناســـــــــــات الراحل لا تسل

جرح و أسي و فـــــــــؤاد ينتحب     ذكرياته و أحلامه عطاء ، و منبع

لا ينفد، و للخلود ترنو و تترقب        رفقا یا فارسات النغم و الهوى

فالخلود در به شاق متعب

زوي السبت 26 رمضان 1413 ه

20 - 03- 1993م

 

 

 

 

 

من أي بلاد أنت؟


من أي بلاد أنت ؟

بلدة الأصـــــنام ، مـــــن أي بـــــــلاد أنت

أن عــــمر فلم تــھــــي لنجدة شكواه

 ماذا لــــو هـــــجرت الكــــــرى للـــحظة

و أقبلــــت لفك أسره من حديد أضناه

 أي غـــــدر و أنت لا تدريـــــــــــن و قد

أصبحـــت جـــــزءا من ذكرى ذكراه

 أعرضي عــــن لغــــــــــــة الوئام و الوفاق

فلا سبــــــيل للقــــــــياك أو لقــــــــياه

أنت و مصطـفى باشــــــــــــــــــــــــا صنوان

لقـــــــد رحل إلى من يحسن مثواه

زوي الأحد 27 رمضان 1413ه

21 -03- 1993م



أبك يا عيد 

أبك يا عيد أبك يا عيد على عمر الندى

فقد كان للـــــــــــــــــــــــــــــــخير سباقا

 أبك فرحيــــــــــــــــــــــــــــــــــــله لم يدع عينا

إلا و بكته بدمع يفيـــــــــــض احتراقا

 من قـــــــال أن حيــــــــــــــــاته تختـــــــصر

أو أن فــــــــــــــــــــراقه يكـــون افتراقا

 تلــك هـــــي نفــــــــــحات القــــــدر يختار

متى و كيف يشـــــــاء حنينا و اشتياقا

بالأمـــــــــــــــــس القريب كان في رحابك

يجــــــــــــــــــــــول معطاء يرجو انعتاقا

 يشـــــــــــــد الرحـــــــال ، يطوي المسافات

رحــــــــــــــــلـة تزاحم رحلة انطلاقا

 فماذا أروي ، و مـــــــــــــــــــــــــاذا أدع عن

قصــة تهـــــــــــز الدنيا انبهارا و اشراقا

                    خنشلة ، الأربعاء 1 شوال 1413ه

                         24-3-1993م


يا نغم جد  


 یا نغــــــــم جد ، فالفــــــــــــــــــؤاد ضامئي

و الـــــــــــروح للخلود تهفو عاشقة

 عانقـــت العمـــــــر حـــــــــــــــــــــبا و أملا

وعاشـــــــــت تلمحها راضية قانعة

                             كم كانت تتحسر ألما

حين ترى أحلامها تنتــــــــــــــــحر ساكنة

تبتــــــــسم، تحدق ، و حين تلام

تخلو إلى أعماقـــــــها جـــــــــــريحة دامعة

 رحــــــــلة طويلة ، أحداث عميقة

لم تصرفها عن حلمــــــــــــها الأبدي ثانية

 ليــــت صاحبات الأوراق الخمسة

أدركــــــــــناها أبية ســــــــــمحاء سامية

 ولم يشطـــــــــــــــطن في هد حلمها

وقد وجــــــــد لتحـــــــــــــــيا به ناعمة

                                 زوي ، الجمعة 3 شوال 1413ه

                                          26 -3- 1993م

 

فلا الوجدان وجدان

 

فلا الوجدان وجدان

من أين تبدأ ذكرياته يا زمن

فأيامه في الوجود روح و ريحان          و أحلامه لم تكن يوما صدی

سراب تحدوه أحــــزان و أشجان          عـــــــــاش بين الوری و للحياة

بروح قوامها عزم و إيـــــــــــمان           دربه منحوت من زاهرات المني

و أنغامه إيقاع و إيحاء و ألحان         لكـــــن و أسفـــــاه قضى العمر

يعزف لوحده فلا الوجدان وجدان

زوي ، السبت 4 شوال 1413ه

27-3-1993م

 

 

 

 

مصطفى باشا

 

 << مصطــــفى باشـــــــــــــــــــــــــــــا >> بأي وجـــــــــه

أو مـــوقف تلقــــی خالـــــــــق عمر

 أي لغــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــة ، أي منطق تقنع

غضـــب عاشـــــــق و ثـــــــــورة شعر

هكذا الإنســـــان عنــــــــــــــــــــــــــــــــــــدكم حتى و إن

كان لا يملــــــــــــــــــك قـــــيد أمر

 ماذا لو أحسنـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــتم اللقاء و الرعاية

و أشفيــــتم غليـــــل صـــــــــــدر

 أين الضمـــــير ، و أين ميـــثاق المهــــــــــــــــــــــــــــنة

و الأبـــواب تصــــــــد بلا عذر

جـــــرحه ينـــــــزف ، و شقيـــــــقه يمنـــــــــــــــــــــــع

من الحديث ، و يطرد بقسر و زجر

 يا أخــــــــــــــــي صـــــــــدري يؤلمـــني ، و هـــــم

يــمرون فلا التفاتة واجب أو خير

قل للفـــــــــــــــــــــــــــــؤاد الــجريح مـاذا بعد

هـــــــــــــذا من حديث أو صبر

 و ليشـــــهد التـــــاريخ و الأيــــــــــــــــــــــــام

عن فعال قضت على كل أمل و فکر

                   زوي ، الأحد 5 شوال 1413ه

                          28-3-1993م


مسجد ابن باديس


مســــــجد ابن باديـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــس

 مسجد ابن باديس ماذا تروي

و ماذا تذكر، في رحابك صـــــــــــــــلى باكـيا

هنا مشی خاشعا ، و هنا جلس

يترقب <<قد قامت الصلاة>> داعــــــــــــيا

فضائل الجمعة ، كم كانت تحدوه

و تهزه << فانتشروا>> فيقــــــــــــدم ساعيا

 

* * * 

در به في الحيــــــــاة درب عصـــــــــــامي

و فـــؤاد للــخلود تعــــلق راجــــيا

عشـــقه لقـــيم الحيـــــاة أغــــــــــــــــــناه

عن كل هوى ، فعاش لها حاميا

 طيفه الطلق يعـــــــانق الــحـــــــــــــياة

و يحــــــــرك كل موقف مضاهيا

فمــــــاذا عــــــــــــــن محب أضناه النوى

وعهــده للذكري أن يبقى شاديا

           خنشلة ، الثلاثاء 7 شوال 1413ه

                   30 -3- 1993م

 

ألم الحيرة

 

الم الحيرة ؟!

 الم الحيرة و الإضطراب ، لم الظنـــــــون

و التنــــكر ، فالوفاء للعهد أجدر

 ماذا بقي من تحلـــــيل أو تعــــــــــــليل

وقد رحــــــــــــل الحمام الأغر

 لا تحســــبن رحيــــــــــــــله أمرا عاديا

و إنما للــــــــــــحياة عبرة و تبصر

 الیت قاصري الروي بــــــــــدر کون

أن أيامــــــه جســــــر يعـــــــــبر

 فيقبلون على عناقها وفاء و عــــــطاء

و يعرضون عن كل ما يسيء و ينذر

تلك غــــــايات غـــــايات المــــــــني

ولا قيمـة إن كانت لا تعلو و تبهر

 و ليس لمحب إلا أن يكــــــــــــــــــون

مرددا لأنــــــغام تشدو و تذکر

                                      زوي ، الخميس 9 شوال 1413ه

                                           1-04- 1993م


ديوانك ياعمر

 ديوانك يا عمر سيكون أول من

تعانقه تلك الرفوف الحزينة

 مكتبة ظلت تعيش فراغا

و يغزوها غبار وهي بريئة

كأن الأيام لها بالمرصاد

بعد الفراغ و الغبار طعنة جريحة

 

بالأمس القريب كان يؤانسها

و جلسته أمامها جلسة مريحة

 ابتسامة ، حدیث ، نظرة ، التفاتة

لا تسل همة و سجية و رفعة

 يمقت التكلف ، يزور من غير

موعد ، يقارن ، و كله لهفة و حسرة

خنشلة الهاتق يرن ، من قسنطينة

عمر هناك ، إنها ذكری و دمعة

عين البيضاء ، 9 شوال 1413ه

1-04-1993م


جي سانك

<< جي سانك >> ماذا دهاك ؟

أبينك ؟ و بين فراقه لمحة

هكذا العشرة و الأيام

هكذا الأحلام حسرة

 عهدنا بك سمحاء خفيفة

لطيفة منقادة فتية

كيف؟ و ألف كيف، أتقصير

وراءه هفوة و سرعة

ماذا قالوا؟ و ماذا عللوا؟

ما لدينا دهشة و حيرة

من هذا الذي داهمك ؟

إنها فاجعة و صدمة شديدة

العين لا تقوى على رؤيتك

فكيف بالوقوف عندك لحظة

 طيف ، و ذكري ، و ذكريات

و مشوار خاتمته لهفة و حرقة

 وقل لخناساته صبرا

فالفؤاد جرح و دمعة

متوسة، الجمعة 10 شوال 1413ه

2 -4 1993م

 

 

 

سابع الاثنين 

سابع الإثنين ما لديك ؟

ما عندنا دمع و أسى

 عيد الفطر يشهد

بكاء، و حزن و شجی

 زاهرات الأيام ذبلت

و حلم المنى هوى

 أي سبيل للتجلد

ورحيله حرقة و جوی

أي همس ولمز

و ذكرياته عطاء و تقی

خالد يلهو ويلعب

و الهم بعد و نوی

 ماذا نقول؟ ماذا ندع؟

و حياته إيمان و بشری

 

عشق درب العلى

فعانقته قمم و ذری

 محد و رفعة ، شهامة

وهمة ، إقدام و ندی

الكل لحظة الحدث

تذکر و استرجع و بکی

 و جال الفكر في الأفق

رجاء أن يدرك ما جرى

 و عاد من حيث انطلق

إنه قدر و ردی

 هي الأيام ، إقبال

و إدبار ، أحلام و رؤی

نصيب العمر منها

ود، و نغم ، و هدی

 وما عداها ضنك حياة

و خراب نفس و عمی

 

* * * 

عن العهد و الوفاء لا تسل

قد نسفا جهارا و ضحی

 إنه حطام الدنيا ونف

س حين يركبها هوی

 ظغينة دفينة تتحرك

و المساس بذكراه لظى

 سعيه لم يوجد لتلهو

به الأهواء عبثا و سدی

 وقد شيد بكد و کدح

و فنی فيه جسد و نهی

 زاحم الأنداد بقوة فما

أقعده وهن ولا صده ونی

مضى ، و رحل و سيرته

في الكون خلود و ذکری

زوي ، الإثنين 6 شوال 1413ه

29-3-1993م

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أية صفحات؟

 یا عمر ليس لنا سوى لواء

الشعر نحمله دعاء و عهدا

 عهدك جرح و ذکری، و ذكراك

تهز الفؤاد جوی و کمدا

طيفك الجريح زائر حاضر

يحرك الأعماق نغما و خلدا

 هذا صيف الأيام مقبل

و ذكرياته ستبكي رحيلا و بعدا

 جلست مستلقيا للإستراحة

و حلمك يعانق الحياة ندا

 خالد يداعبك و أنت ترمقه

بحنان يفيض حبا و ودا

 و تسأله أنبقى هنا أم نبحث

عن عالم يضاهي حلمنا مجدا


فيبتسم ، و يواصل زحفه على جسدك

وعيناه تتلألآن غبطة و سعدا

 أية صفحات ترويها لك الأيام

وقد فقدت فيك سيدا و عبدا

خنشلة ، الإثنين 5 ذو القعدة 1413ه

24 -4 1993م


أي رحيل؟

 أي رحيل يا ابن أمي و أبي

و أي فراق خط لنا في الأزل

ذاك لم يتنسم حرية الوطن

و أنت لم تحقق ما نويت من الأمل

 أحداث حلت بنا لو الإيمان

الكانت نهايتنا قبل الأجل

جرح ما بعده جرح ، كان

نجما - فجأة- غاب مع الأفل

 هكذا الأيام و الأحلام

كأنها تقتل من ألياف الأسل

 إقبال يملأ الحياة نغما

و إدبار يزجي كؤوس الأثل

خنشلة ، 5 ذو القعدة 1413ه

24 -4- 1993م


يا ذكرى الرحيل للبقاع

 یا ذكرى الرحيل للبقاع عذرا

لقد بكتك عين لم تبك سواك

كم كان حنينه بهتر

شوقا و حبا لشذا لقياك

* تقتل

 

اعتزم مرتين ، لكن الرحيل

حال بينه و بين ذكراك

 الكل يذكر لحظة السفر

الوالد الحبيب يهرول بشراك بشراك

 و الأحبة من حول القافلة

يرمقونها بقلوب تخفق لعلاك

 أية حسرة تحز القلب

لقد مضى و في نفسه عطاء سناك

زوي ، الخميس 22 ذو القعدة 1413ه

13 -05- 1993م

 

 

 

 

عيد الأضحى

 

عيد الأضحى بأي حال نلقاك

جرح و دمع و عناء رحيل

كم من هزة عاشها الفؤاد

فقابلها بإيمان و صبر جمیل

 لكن ذكرى الإثنين و هيهات

إنها صدى خطب جليل

حلت على غير موعد فتأججت

و اصطلى بها كل بعید و خلیل

بعده ماذا بقي؟ و الشارع

السرمدي يبكي بأسی و عليل

عشق الحياة به كان عشقا

تتعاطی كؤوسه في ظل ظليل

 لم يكن من صنف يمضي هباء

بل كان صفوة نغم وجيل

فكر المواقف و الهمم عنده

سباق للأحداث ما له من مثيل

ذكراه ذکری، و رحلة عانقت

الوجود بصدق دعاء و تهليل

 ليتك لم ترحل يا عمر

فالعيد غدا فتنة سبيل

عيد الأضحى 1413ه

ماي1993م

 

هدهودة الأحلام

 هدهودة الأحلام، زمانك مشرق

في ظلال والدين يعيشان إيمانا و وفاء

 و شقيقين كعصفوري الربيع و الشعر

يملأن الحياة أنغاما و غناء

و قرابة لا يضاهيها سناء تلألأ

رفعة و قدوة و أصالة و عطاء

 جدك الراحل أبي رحيله إلا

أن يصنع الحدث دمعا و ثناء

 والآخر جعل الدنيا في يديه

فأقبلت عليه فتية منقادة سمحاء

 إن أغلى ذكرى طفولتك الباسمة

حين أقمت بينا ثلاثاء و أربعاء

و الوالدان في تونس يجوبان آفاقها

و قلباهما يخفقان حنانا و رجاء

 أنت بحق آية من آيات

الكون يشع نورا و ضياء

 فلترعاك عناية الإله لتقرأيها

بين الورى قصيدة عصماء

خنشلة ، جوان 1993م

 


ولما تحققت 

 آه لو لم ترحل يا عمر و ترحلين

يا<< جي سانك >> لكنتما لها أقوى سندا

 آه لو لم ترحل لكانت

أمنية الإستقرار أكثر نغما و سعدا

 عقدان و هي تنشدها فأفنت

فيهما الأبيض و الأسود عدا و نقدا

 ولما تحققت رحلت على غير

موعد فكان الجرح أشد هذا

 و ليس يجدي الدمع، إنما هي

حسرة تتسعر سجية و عمدا

أم البواقي ، الثلاثاء 13 جويلية 1993م

 

 

لمن الديار بعدك؟

 لمن الديار بعدك يا عمر ؟

لمن الأحلام و قد هوت شتاتا

 ليت عشقك يزلزل الأعماق

فلا يكتفون بالعيش و المآثر سباتا

 أي خلود يضاهيك و قد

ملأتك أيامك حبورا و ثباتا

 عشت للوجود كأنك راحل

فعانقتك الحياة ورودا و نباتا

 الجود شيمتك فلم تحرم من

الا يسألون إلحافا عزيزا أو فتاتا

خنشلة ، 20 جويلية 1993م

ليست هناك تعليقات: