الإهداء
بسم الله الرحمن الرحيم
) إنـــــما المؤمنــــــون اخــــوة
(
الحجرات 10
إلى
كل من عــرف، ويعرف عبد الحميد أسألــــه
بحــــــــــق أخوة الإيمان، أن لا ينساه ذكــــــرى ودعــــــــاء.
في ذكرى رحيلك
أخــي
عــبد الحميد...في ذكــــــــــــــــــرى رحيــــــــــــــلك ..
حـــــــديــــث
وحديـــــــــــــــــــــث.. أشــــــياء وأشــــــياء..
في
النفس ..في الذاكرة..في صفحـــــــــات الأيــــــــــــــــــام ..
ستبـــــــــــــــــــقى
تنــــــــــــــــتظر..جرة قــــلم مـــــن هنا..
أو
من هناك ...كأبســـط وأدنـــــــــى..نبــضات العــهد ..والوفاء.
ورحل عبد الحميد
ورحل عبد الحميد.. بعد عقدين ونصف من العطاء،
والمواقف المشرقة، الثابتة في زمن قل أمثاله. فإذا
كانت الجزائر العزيزة، المجاهدة شغلتها، وتشغلها جراحاتها النزيفة عن كل ما سواها
.. فإنه -لا محالة- سيأتي يوم الذكرى، الذي ستذكر، وتتذكر فيه كل أبنائها.. وفلذات
كبدها، الذين قدموا الكثير في الخفاء، في عمق أعماقها، بعيدا عن الأضواء. وصدق ابن باديس –رحمه الله - " أمه الجزائر وأبوه الإسلام " وعلى
هذا جمعتهم الجزائر وتجمعهم، أحب من أحب، وكره من كره. هكذا رحل عبد الحميد، أسباب
متعددة، والفراق واحد .. من عالم الجحود إلى عالم العهود.فسلام عليه في الأولى،
وسلام عليه في الأخرى.
هذا هو التاريخ
ما
إن قلبت الصفحات .. وحركت الذاكرة .. حتى بدت الأمة في أحرج مراحل تاريخها .. هنا
وهناك، عبر امتداد رقعتها الجغرافية: عناء يخترق.. يصل إلى كل الأماكن والجهات،
ليل جيوش الاحتلال طويل، ليس له بداية ولانهاية، التنكيل، الاضطهاد، مجازر تلو
المجازر، مقدسات تهان، أعراض تداس، العملاء والأذناب تجاوزا العدو قساوة وبطشا.وفي
غمرة هذه الأوضاع .. الصامدون، الثابتون، الثائرون يخوضون معارك تلو المعارك وفي
كل الأماكن، وعلى جميع الأصعدة والجبهات، بالسيف، بالكلمة، بالصمت الرافض .
الشيخ
البشير الإبراهيمي، يرسلها صرخة مدوية، كاشفا للأمة حقيقة المعركة : » إن القوم درسونا
وفهمونا، وتيقنوا أننا لن نضيع ولن نفنى، مادمنا متمسكين بالعرى القوية من الإسلام
والعربية والشرق، فرمونا بالوهن في مقوماتنا حتى تضعضعت.«
ومن سجن بربروس ... شعر مفـــدي زكريا يتصدى
بطولة واستشهادا، جنبا إلى جنب مع الرصاص والفدا ..
» واقـــــض يا مــوت
فيما أنــت قاض
|
أنا راض، إن عـاش شعبي سعيدا.«
|
|
» أنـــا إن مت فالجـــــــــــــــزائر تحيا
|
حـــــرة، مستـــــقلة لن تبيــــــداـ«
|
ومن سجن بربروس كذلك ..وبمنطق المرجعية الفكرية .. » وباصقات الردى سرب طالع، وسرب نازل « خط
وكتب تاريخا وتأريخا، المجاهد والقائد، والكاتب (الجنيدي خليفة).وعن دوافع الثورة
صدع بها دون مواربة في اللفظ، أو مسايرة للمعنى:
» إن ما دفعنا إلى الثورة
إنما هو رغبتنا الطبيعية في أمر طبيعي؟ إنه شيء في التربة، شيء في العروق، أمل في
كرامتنا الإنسانية، في أصالتنا.ومن ذا يستطيع أن ينتزع من نفوسنا نفوسنا«
وعن مستقبل الثورة –ثورة نوفمبر-ومن منطلق قناعة المبدأ تحـــدث
قائلا: » علينا نحن العرب لا العمل على نيل
استقلالنا فحسب ولكن عليـــــنا بعده أن نواكب العصر ملتحقين بأرقى أممه، وذلك
أيضا كمرحلة انتقالية إلى الطور الأعظم: ألا وهو تقدم الركب الحضاري وتوجيه مقود
الإنسانية في جميع النواحي العملية والروحية.«
وبمناسبة الذكرى
المئوية لوفاة الأمير عبد القادر، وقفت الدكتورة نجاح العــطار وزيرة الثقافة
والإرشــاد القــومي-سابقا- في سوريا، تقول »عصرنا هذا وما أكبر،
كتبت حجته بالدم لا بالحبر،كتبها الذين في عناق الشهادة،جعلوا من المفاداة تشيد رفعته
الأرض إلى السماء، فكانوا من أحبة الله، ومن الذين اصطفاهم الله ليكونوا من أحبته،
ماداموا على اسم الحق والوطن والشعب، رفعوا السيف ومضوا، كما في الأسطورة يقطعون بحور
الكفاح ولا يلتفتون إلى وراء «
هذا
فيض من غيض، وقليل من الكثير .. والكثير .. وفي كل ما مر ..وحدث، الآمة لم تستكن،
ولم ترضخ لحظة التطلع إلى المستقبل المنشود كان يشحذ، ويلهب عزائمها، ويدفعها إلى
المزيد، والمزيد من التضحيات .
وأدبرت
أيام، وأقبلت أخرى، وبدأت جيوش الاحتلال ترحل..وترحل،وارتفعت أصوات الفرح، وتعالت
الزغاريد هنا..وهناك، تشارك كل قطر
غادرتها الجيوش، وتشد العضد لتحذ والسبيل نفسه.
وعلى هذا الأمل المشرق
الذي نحتت ملحمته بقوافل من الشهداء؛ نامت الأمة..لتسترد أنفاسها وتلملم أشلاءها،
وتضمد جراحها، وما إن أرادت أن تقف، وتستنشق الحرية التي سقتها بدمائها حتى فاجأها التاريخ وهو يبكي دما بدلا من الدمع،
وآثار الحسرة والألم…تشق النفس، تزلزل الأفئدة..التاريخ يعيد نفسه، ما أشبه اليوم
بالبارحة…
وقفة خاطفة مع الأحداث:
- التهافت على مقاليد
الأمور بأي شكل من الأشكال.
- قرارات مصرية
ارتجالية مبيتة .
- صدود ، و أعراض،و
تغيب للموروث الحضاري بشتى الوسائل ، و الأساليب ، رغم أنه كان مؤججا ، و محركا ،
و منظّرا أثناء كل مراحل الجهاد و الثورات
!..
- الانبهار بالعلوم المادية و نتاج الحضارة
المعاصرة، اعتقادا أنه هذا هو السبيل الحقيقي ، و الأمثل لتحقيق التنمية الشاملة
أو غاب عنهم جهلا ، أو تجاهلا، شهادة روادها:» لولا الحضارة الإســــــــلامية
لتأخرت النهضة الحديثة بعدة قرون. «
كل
هذه العوامل، وغيرها، أثرت سلبا على مسيرة الآمة، وطموحاتها في جميع
أقطارها..وآثارها الطاحنة لازالت إلى اليوم قائمة.وكان من اللائق، والمقرر سابقا،
أن تسير الأمة هنا، أو هناك سيراً طبيعيا و تبني نهضتها المعاصرة وفق منظورها
الحضاري.
حتى أصحاب النيات الصادقة قد تشابهت عليهم مختلف
الأمور، والحقائق، وأغلبهم كان معبرا، وثغرا لتسلل رياح التغريب، وتبني الحلول
الجاهزة، والمستوردة، ربحا للوقت، وأشياء في النفس، تسوغ، وتزين حب الاستيلاء،
والانفراد.
-
وعلى
هذه المعطيات السالفة الذكر، أقيمت أوضاع، وكرست، وانصهرت أجيال، وأجيال في بوتقة
المجهول، وكان التفريخ شديدا، وعلى حساب إمكانات الآمة وطاقاتها؛ والعذر كل العذر
لها، لأنها لم تجد الوسط الذي
يحتضنها، نشأة ورعاية
وفكرا، ومنهجا وحضارة. ومنطق المنظور الحضاري واضح، ومحدد »كل
مولود يولد على الفطرة……….. .«
وأكثر
المناطق التي روضت، واستدرجت، وسيقت هي المناطق الريفية، فكان لها الخطب،
والشعارات، ولغيرها الصفقات، والشيكات والحال .. والأوضاع..وعبر مراحل مختلفة،
متشابهة في جميع أقطار الآمة، فهدف التخطيط واحد، والأساليب، والوسائل متعددة.
وإذا
كان مخطط التآمر الخارجي، والتواطؤ الداخلي، لم يعتمد على برنامج فرعون التاريخي القائم على التصفية الجسدية
للمولودين، فإن برنامج هؤلاء فاق برنامج فرعون مكرا، وخبثا، وحقدا، وخطورتــــــــــــــــه
تتجلى أكثر في :
·
لم يقتصر على
جنس الذكر فقط
·
تعريب
البيئة أمام الأجيال الصاعدة من خلال استبدال المنظور الحظا ري بمناهج مستوردة.
·
الحيلولة
دون قيام جهد مؤسساتي في مستوى طموحات الآمة.
والغريب،
وبكل تبجح، ودناءة يصرحون علانية، وفي العديد من المواقف المتبناة : »أن
تكون أجيالهم مجهولة الهوية، لا هي تنتمي إلى حضارتها، ولا إلى حضارتنا« لكن.. وألف لكن،
رغم شراسة هذا التآمر، وتمكنه، وتغلغله في كيان الأمة، إلا أن ثقتها بخالقها،
وبانتمائها الحضاري أكبر من كل شيء.. وهذا ما غاب
عن إدراك هؤلاء المنظرين.. فالقضية تولد مع صاحبها، بقوة، فتتقمصه، فتصبح
هي هو، وهو هي.. وهذا ما استعصى عليهم وفي أعنى، وأعلى مراكزهم، والأحداث
التاريخية خير شاهد، وفي العديد من المراحل. لتترك هذه الضفاف.. للاستراحة..
للاستثارة.. للإيحاء..للتأمل.. للقراءة.. للتحاليل..للنقاش..للعبرة..للحسم..
للموقف الشامل.
وليستقر
المقام عند ضفة أكبر بروزا وحدثا.. أكثر استقطاب واهتماما.. إنها الجزائر ..أيتها
الأمة الخالدة.. ابنتك الثائرة، الثابتة، الصامدة، قهرت أعتى قوة، رغم أنفها، وأنف
العدو، في كل مكان وزمان.
هذا
» الكولونيل بيجار « حين استعصى عنه
ابن مهيدي، لم يجد من سبيل سوى أن يعترف قائلا: » لو أن لي ثلة من أمثال
العربي بن مهيدي لفتحت العالم …« إنها لثورة.. وإنها التضحيات.. نقلت حتى إلى أرض العدو.. فكان يوم
الهجرة علما بارزا.. وشاهدا في التاريخ المعاصر. وربطت المعركة تاريخا.. وفكرا
بماضي الأمة المجيد.. المشرق.
نوفمبر
غيرت مجرى الحيــــــــاة
وكنت
نوفمــــــــبر مطلــــــــــع فجر
وذكرتنا
في الجزائر بــــــــدرا
فقمنــــــــا
نضاهي صحــــــــابة بدر
هذا
هو التاريخ.. وهذا هو لبه.. في لمحة سريعة.. وإشارة خاطفة » لمن ألقى السمع
وهو شهيد « لكن ما حدث.. وما يراد
استمراره.. قد حبك.. في ليلة ظلماء.. وفي الخفاء.!! ؟
زوي والرجل والمشوار
ماذا لو استنطق
التاريخ.. تاريخ الستينات.. ستينات بلدية زوي، ذاك أمر لا مفر منه، ومدخل لا غني
عنه، وأبلغ ما يقال وبإيجاز وتحديد.. يبدو نصيب هذه المنطقة من الحبكة لا تقل عما
سواها.. من جمود.. وركود.. ومن اللاثقافة.. واللاطموح.. واللامستقبل واضح.
حتى مستقبل ثورة
نوفمبر كما سطره الجنيدي خليفة، والذي كان بإمكانه أن يكون معلما يحتذى به – على الأقل – فكريا، ومنطلقا يشحذ الهمم، لم
يصل إلى هذه المنطقة إلا عبر الكتاب المدرسي، متى؟! سنة 1990م.
وفي أجواء هذه
الوقفة ، نستسمح عالم الفكر وتفاعلاته.. لنفسح المجال.. لمشوار يقودنا إلى قاعة
الاجتماعات الكائنة في الجهة الخلفية من مقر البلدية القديم، الحدث يصنع هناك.. في
تلك القاعة.. أمسية من أمسيات السبعينات الوقت صيف.. عدد من شباب القرية لا يتجاوز
الأربعين، يجلسون على الكراسي..وأمامهم طاولات طويلة الحجم، نظمت، ونضدت في شكل
مستطيل.. ومن جهة يسار المدخل،يتوسطهم فتى.. لا يتجاوز العقد الثاني،طويل القامة..
رشيق.. غير مكتنز للحم.. عليه بدلة متواضعة.. نبرة كلماته تنبعث حادة.. موضوع
اللقاء: الشباب، سبل تنشيطه في هذه القرية..
اللقاءات الثقافية.. الرياضية.. كرة
القدم.. وضع بطاقات رمزية للمشاركة لتوظيف مردودها لاقتناء بعض وسائل التنشيط،
كرات القدم.. إيجاد هياكل تنظيمه.. – حاليا- تحديد وتكليف مجموعات تتكفل
بالاهتمامات.. وتتولى الإشراف على نوع النشاط المعين للقيام به.
وهكذا.. بدت
ملامح رجل القضية.. لا أحد من الحاضرين كان يدرك ذلك.. حتى هو بالذات.. كانت
تتقمصه.. وهو لا يدري.. وأنى له أن يدري.. والمجتمع حديث الميلاد.. يكتفي بما هو
موجود..ولا تهمه الاعتبارات الأخرى، مهما كانت قيمتها، وآثارها.
الكل يريد أن يكبر..أن يصل..أن يكون ،أن
يتجاوز الزمن..المراحل..حتى همسات الفؤاد..وعزف الأشواق » ليتنا لم نكبر، ولم تكبر
البهائم …« ألغيت من قاموس
المرحلة..الثورية..الثورات..الشعارات المختلفة..الخطب الرنانة..هكذا أرادت..وهكذا
تبنت وقوة الدحض..قائمة ..مؤكدة.. وبمرجعية ثقافية، وفكرية، وحضارية، ابن شداد
قديما، والعقاد حديثا.
من تلك الجلسة، والاعتقاد قائم، أن هناك
جلسات، ولقاءات متنوعة، كان ينشطها في مختلف الأماكن التي كان يقيم فيها، أو يتردد
عليها، والسياق تواضعا، يأبى أن يقف عندها تحديدا، وحصرا.. باعتباره لم يشهدها..
أو يحضرها.. وليترك لسواه حق الأطراف.. والتطرق. نعم.. من وفي أجواء تلك الجلسة
كانت القضية.. القضية الأولى والأخيرة.. القضية رقم واحد..تتطلع عليه.. وإليه.. من
بعيد.. ترنو.. وبوادرها.. وإرهاصاتها.. تتكور في سجل المستقبل.. والترقب عن كثب
كان شديدا، ذاك عهد به..
وتتـــسابق
الأيــــــام..
تغذيها
الشعارات البراقة..
والمصطلحات
المغرية..
والحلقات
المفقودة سمة المنطلقات التي لا يصنعها المجتمع.. ولا ترتكز على معطياته الحضارية
انبثاقا وتفاعلا.. فكرة وحركة. مرحلة تلغي مرحلة.. وخيارات على خيارات تشطب. وتحميل المسؤوليات.. والتبعات يلصق
بمن غاب.. أو زعزع.. أو أزيل.وجاءت سنة 76 ..وبدأت الحياة في
المدن….في القرى ..شرقا وغربا..وسطا وجنوبا..تنحو منحى أخر من النشاط،
والحيوية، والإقبال على حياة الإيمان ، والجد في التحصيل العلمي في جميع المجالات.
وأصبحت المساجد
تعج بالركع السجد، وكأن شعاع الفجر الذي تحدث عنه (مالك بن نبي – رحمه الله-)ذات
يوم، تجدد، وبدأ ينساب ، وأيقظ وأستيقظ المعنى الجمالي في النفوس، وتجاوب المجتمع
بجميع فئاته مع هذا الشعاع، والتف حوله ..)
وأخذت أثار
الإيمان تبرز بقوة، وتؤتى ثمارها، في خضم تصحيح المفاهيم، والمصطلحات، ونقد
المضامين التاريخية المعاصرة، كان الرجل علما بارزا، وشعلة مستعرة عملا
وعطاء..رحلة وترحالا، وهمة متحفزة ليل نهار، من الجامعات، من المساجد، من الأماكن
العامة، تحركاته، تنقلاته شاهدة .
في مسقط رأسه..
الحديث كان حديثا..الصلوات الخمسة لا يقل عددها بكثير عن عدد صلاة الجمعة.
القضية
تشكلت..في أفكارها..في منطلقاتها ..في رؤاها ومرتكزاتها..فعانقت المنظور الحضاري
عناقا أبديا..والتحمت به وبدأ المشوار..مشوار هذه الآمة، في كل بقعة من بقاع
تواجدها، كان المد الإسلامي حديث الساعة..الصحوة الإسلامية..تسميات ونعوتات شتى.
وبقدر ما كانت
الأمة من المحيط إلى الخليج.. وغيرها من المواقع.. نتفاءل، تتطلع،تبارك..تحتضن،
تساهم بعيدا عن كل وصاية، بعيدا عن أصحاب المقاليد، والقرار، بقدر ما كان التآمر
خطيرا، والتكالب شديدا في الخارج والداخل.
التاريخ كفيل
للكشف عن مفارقات مثيرة..وما وضع من متاريس، وشائكات، وعقبات أبسط قراءة أولية
تدين مختلف المؤسسات!؟ ماذا يحدث لو كان عوضا عن المواجهة، والاستفزاز، الآمر قد
أحيط بالرعاية والاهتمام، بالاحتضان والتوجيه، أسئلة وأسئلة ستبقى عالقة… إلى أن
يبت التاريخ، وتفصل الأيام حسما، تحديدا للمسؤوليات وعبر امتداد هذه المرحلة، وما
عرفته وشهدته من أحداث، وتحولات محلية، وعالمية، ظل الرجل ثابتا، صامدا، وفيا للقضية،
معرضا ورافضا لكل مغريات الاستدراج والمساومة.
وبعد رحلة دامت
.. واستمرت ما دامت، واستمرت، وتضمنت ما تضمنت، استقر المقام بالرجل في مسقط
رأسه..فانصرف إلى الصمت، صمت ترقب وانتظار..لا صمت انطواء تملص، فالقضية أكبر من
كل مرحلة، وأكبر من كل تفسير وتحليل على حساب الصيرورة التاريخية، القفز على
الحقائق، اختزال الأشياء والوقت، والاهتمام بالمستقبل دون سواه، والإعراض عن كل
معطيات سابقة، ..قد يعيد.. بل يعيد الكرة مرة أخرى إلى دوامة، ودوامات أشد..وأخطر.
وبعيدا عن كل ما
يجري ويحدث..هنا، أو هناك ..وما يبدي وما يخفى ..وما يرفع وما ينزل… يشاء القدر أن
يرحل الرجل من هذا الوجود، وذلك على إثر حادث وقع له بمعية أسرته عند منحدر بسباس،
على الطريق الوطني الرابط بين شريعة-زوي، ونقل إلى مستشفى قسنطينة، وظل فيه ما
ظل..لكن.. لا مرد لقضاء الله تعالى، وجاء الخبر.. وكان له رجة ..اهتزت على إثره
المنطقة برمها، ومما زاد النفوس قشعريرة أكثر وتأثرا..الجو الإيماني والروحي الذي
بدأ الناس يقبلون عليه، صياما، وصلاة، وذكرا.
والحقيقة تقال؛
شاء من شاء، وأبى من أبى، أنشرح من أنشرح، وأغتاظ من أغتاظ. إن أيام رحيله كانت من
ابرز الأيام التي رسخت، وطبعت في ذاكرة المنطقة.
ونقل من
المستشفى مساء يوم الاثنين 01/رمضان/1418هـ الموافق لـــ 29/ديسمبر/1997 م وفي
اليوم الموالي شيع إلى مثواه في مقبرة رأس الماء، في موكب مهيب، لم يسبق له مثيل،
وأمام قبره توالت كلمات الأسى، والأثر، استهلت بكلمة الأخ عمار بونزرة، الذي تحدث
وتكلم مذكرا بخصاله، وبجهوده في نقل الدعوة، وفي الجامعات، وفي مواطن شتى، وأماكن
متعددة. وفي ولاية خنشلة، قال : إنه أبو الدعوة الإسلامية فيها بلا منازع.
أما الأخ بوزيد
جامعي…ردد مرارا: والله إنه لبطل، والله إنه لبطل ..وجاء دور كلمة صاحب هذا العمل،
والتي سنوردها كما هي في عقب الايناء على أخره أما أخرهم، فهو الأخ عمر شابي من
تبسة ..حيث تحدث كثيرا، ذكر واستشهد بحضوره الفعال أثناء إقامته في مدينة تبسة،
لما كان أستاذا في ثانوية مالك بن نبي… وكذا إسهاماته المتعددة، والمختلفة في مجال
الدعوة، والعمل الإسلامي في هذه الولاية وغيرها، وأن الإحاطة بذلك لا يمكن في
لحظة، أو قفة ما .
سيسجل التاريخ
بســــم الــله الــرحمن
الرحيم
الحمد لله رب العالمين …والصلاة والسلام
على سيدنا محمد- ص-.
سيـــذكرني قومي إذا جد جدهم ففــــي الليــــلة الظلماء يفتقد البدر
أنا الجـــار لا زادي بطــــــــيء ولا
ضربت لي في العــــراء قباب
نحن أناس لا توسط بيـــــــــننا لنا
الصدر دون العــالمين أو القبر
هكذا عشت يا أخانا… يا عبد الحميد
…وهكذا رحلت …
أيها
الأخ العزيز … يا أيها الصديق الحميم … يا أيها الرجل القدوة … أية كلمات تقال
وتسمع… أية عبارات تجري على الألسن… والمقام مقام … والموقف موقف …والرحيل رحيل
…والفراق فراق …وكلمات الحال ،تركن إلى الصمت…تأبى الإبانة… والإفصاح… ففي
أحشائها…عناء السنين…ومشاق السبيل…وشغلتها… وتشغلها…حرقة الفراق… ولوعة الرحيل… عن
كل نطق وكلام…أيها الأخ الكريم…إن حديث
الإشادة
بتاريخك الدعوي… وعطائك الحركي، وغيرتك الشديدة عن الإسلام، وحرصك الجاد على ثوابت
الأمة… قولا وفعلا…فكرا ونهجا، فوق كل حديث وذكر… فوق كل إقرار واعتراف…
ويكفي
شهادة هذا الحشد الغفير، المكرم، الذي جاء من جهات، ومناطق مختلفة من ربوع هذا
الوطن العزيز… وكل واحد منهم له معك…قصة وذكرى…لقاء وجلسات… أيام وأحداث…فكر ونهج…
رؤى واستشراق…وإذا كان تاريخ الأمة- وأنت أستاذ التاريخ من أدرى الناس بمدلول هذه المفردة ،يقف في هذه
اللحظة…وقفة عزاء وتعزية… وقفة دمع ونحيب… وعلى لسانه… » مصابي جليل والعزاء جميل « .
فإنه
لا محالة سيأتي اليوم الذي سيسجل فيه التاريخ – تاريخ الأمة – وبقوة التحبير…
وبصدق التقرير… » أنه ببلدية زوي – دائرة أولاد رشاش – ولاية خنشلة «، هناك عبد من عباد
الله المتواضعين… تواضع الحياة في لحظة تجددها، وإشراقها، في أحضان الإسلام
تربى…(3) وبالإسلام كان ابن الإسلام بحق …(3)وبالإسلام كان أحد الرجال البارزين،
والباعثين للصحوة الإسلامية المعاصرة، وعلى نهج الإسلام، ثبت وصمد، ولم تتزلزل
قدماه… رغم … شدائد المحن… وضغط الإبتلاءات…ومكاره الخطوب… وصدق الله العظيم. »مِنْ
الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ
قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (23) ، لِيَجْزِيَ
اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ
يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا(24) .« الأحزاب
وصدق الله العظيم »وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ
الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ
وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ(155)الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا
إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ(156)أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ
مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ(157).«
عبد
الكـــريم ســـلاما قد أتاك عبــــد الحمــيد شاهدا ومشهودا
على
النهــــــج حط الرحــــال صابرا صامـــــــــدا
ثابتا صنديدا
نهج
شعـــــاره خير الأسمـاء ماكان عبــــدا ومـــــــــحمــــودا
وبعــــــــــد
هكذا..
تتوقف كلمات هذه الرحلة المتواضعة، ولعلها ستكون لفتة تستدعي الرجوع مرة أخرى، أو
مرات.. ومرات لهذا الرجل.أو ستكون
المبادرة لغيرنا.. وفي كلتا الحالتين.. الرجل يستحق الكثير.. والكثير.
وإذا كانت وسائل
الإعلام الخاصة منها، والعامة تجاهلت، وأعرضت،ولم تجُد – بضم الجيم- أو تتكرم ولو
بكلمة.. أو سطر عن حادث رحيله، رغم ما كتب، وأرسل، لكن، ومن الأسى ما يحز النفس.كفاه،
ويكفيه أنه رحل والقضية معه، فحسبه الله.. وحسب الأمة فيه عزاء وتذكر.
الكلمة الأخيرة
الكلمة
الأخيرة، بداية ونهاية لها، وله، بما
تضمنته من وقفات متواضعة. فمن وهلة الرحيل وهي تتأرجح بين الإيحاء والتجاوب، بين
الظهور والاختفاء، بين الأقدام والأحجام.. وظلت كذلك حتى جاءت هكذا..فالرجل في
حقيقة الأمر.. بعيدا عن كل خلفية.. أو نظرة ما.. فهو يستحق ما يستحق من تقدير
ومنزلة. فالأمل.. والرجاء.. أن تتحرك الأقلام.. فهو جدير بكل قلم.. جدير بكل كلمة ،جدير
بكل التفاته.
